حرب الشائعات على الجيش… عندما يصبح ضرب المؤسسة العسكرية هدفاً بحد ذاته

بقلم ياسمين شعبان

لم يعد استهداف لبنان يقتصر على الغارات والتهديدات والضغوط السياسية. في المراحل الحساسة، تتحول المعلومة نفسها إلى سلاح، وتصبح الشائعة أداة قادرة على إحداث أثر لا يقل خطورة عن التصعيد الميداني، خصوصاً عندما يكون الهدف مؤسسة بحجم الجيش اللبناني.

البيان الأخير الصادر عن قيادة الجيش لا يمكن قراءته كنفي لأخبار مفبركة فحسب، بل كإنذار واضح من محاولة دفع المؤسسة العسكرية إلى قلب معركة سياسية وإعلامية لا تخدم سوى من يريد إضعاف الدولة وضرب ما تبقى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتها. فالمزاعم المنسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيلية حول مواقف الجيش ومهماته في الجنوب تأتي في توقيت لا يحتمل الكثير من البراءة. فالجنوب اليوم ليس مجرد جبهة عسكرية، بل مساحة تتقاطع فيها المفاوضات والضغوط والتهديدات ومحاولات إعادة رسم موازين القوى. والجيش يشكل في هذه المعادلة عنواناً أساسياً لسيادة الدولة وحضورها. لذلك فان التشكيك بأداء الجيش أو زرع روايات عن انقسامات أو مواقف داخل المؤسسة لا يستهدف ضابطاً أو قيادة بعينها، بل يضرب جوهر المؤسسة، عملها وثقة المواطنين بها.

الأخطر أن بعض الشائعات لا تحتاج إلى أدلة كي تنتشر. يكفي أن تُنسب إلى “مصادر” أو “إعلام إسرائيلي” حتى تتحول إلى مادة قابلة للتداول على المنصات وفي النقاش السياسي، ثم يبدأ البناء عليها وكأنها حقيقة مثبتة. وهنا تحديداً تبدأ الحرب النفسية. فالخصم الذي يعجز عن تفكيك المؤسسة من الخارج قد يحاول ضرب صورتها من الداخل، عبر إنتاج روايات تزرع الشك بين العسكري وقيادته، وبين الجيش والمواطن، وبين المؤسسة والدولة.

ومن هنا، يصبح السؤال مشروعاً: من المستفيد من تشويه صورة الجيش الآن؟

الجواب لا يحتاج بالضرورة إلى تسمية جهة واحدة. فكل من يسعى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، أو إلى التشكيك بقدرتها على حماية الأرض، أو إلى خلق فراغ في الثقة الوطنية، يجد مصلحة في تحويل الجيش إلى مادة سجال وانقسام. لكن المسؤولية لا تقع فقط على من يطلق الشائعة، بل أيضاً على من يعيد نشرها من دون تحقق. فالإعلام الذي يتعامل مع الروايات الأمنية والعسكرية بمنطق السبق وحده قد يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى جزء من ماكينة التضليل نفسها.

لبنان اليوم لا يحتمل ترف العبث بهذه الثقة. في بلد تتعرض مؤسساته لضغوط متواصلة، يبقى الجيش واحداً من أعمدة الاستقرار القليلة المتبقية. ولهذا، فإن ضرب صورته ليس خبراً عابراً، بل استهداف مباشر لفكرة الدولة نفسها.

وقد تكون أخطر المعارك في المرحلة المقبلة تلك التي لا تُسمع فيها أصوات المدافع، بل تُخاض عبر الشاشات والهواتف ومنصات التواصل، حيث تتحول الشائعة إلى رصاصة، والثقة إلى الهدف.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top