
بقلم الياس عيسى الياس
ليس الاختبار الأكبر أمام الشيخ نعيم قاسم أن يجلس في المقعد الذي شغله حسن نصرالله لثلاثة عقود، بل أن يُطالَب بأن يكون صدىً لقائد استثنائي قضى اغتيالاً في لحظة تاريخية حرجة.
والمشكلة هنا لا تكمن في الفصاحة ولا في كثافة الظهور، بل في الفجوة الواضحة بين “رجل المؤسسة” المحكوم بالتكليف الصارم، و”رجل الكاريزما” الذي صنع حضوره على مدى عقود.
يرث قاسم صورة قيادية ضخمة غدت تختصر الحزب نفسه. وفي محاولته لسدّ الفراغ الرمزي، يلجأ في إطلالاته المتلفزة الأخيرة إلى تعبيرات تقترب من لغة الشارع، كما في عباراتٍ حادة من نوع “ترمب ميت رعبة”، أو التحدي المباشر في “بدكن تلاقونا لاقونا إذا فيكن”.
غير أن لغة الناس لا تبدو تلقائية لمجرد تكرار مفرداتها؛ فالكاريزما لا تُستعار، واللغة العقائدية، حين تُحاكي التلقائية الشعبية دون مقوماتها الحية، تفقد هيبتها المؤسسية دون أن تكسب التأثير الجماهيري المأمول.
يتمايز التكوين التنظيمي للأمين العام الجديد عن سلفه؛ فهو ابن المؤسسة التربوية والدينية، بينما جاء نصرالله من المعترك السياسي والميداني.
جعل هذا الاختلاف خطابه أقرب إلى الوعظ والإرشاد منه إلى الخطاب الجماهيري النابض بالحيوية والوجدان الذي عرفته القاعدة الشعبية سابقاً، حتى باتت رسائله إلى الميدان، على كثافة عباراتها الدينية، تفتقر إلى ذلك الأثر الوجداني المباشر.
تزداد الصورة وضوحاً مع تمدد الظهور الإعلامي لشخصيات أخرى، وفي مقدمتها نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي الذي بات يتصدر الواجهة والمواقف اليومية، إلى جانب نواب بارزين مثل محمد رعد وحسن فضل الله وعلي فياض.
يعكس هذا المشهد توزيعاً لافتاً للثقل القيادي؛ إذ تولى قاسم البعد التوجيهي، بينما أُلقيت على عاتق القياديين والنواب مهمة الإدارة السياسية والتعليق الصحفي المباشر.
قد يُقرأ هذا التقاسم تنظيماً قصدياً يهدف إلى حماية القيادة الأولى وتوزيع الأعباء، لكنه في الوقت نفسه يُظهر انضباطاً حواشيّاً يضيّق هامش المبادرة الذي تمتع به نصرالله بحكم تجربته وموقعه التاريخي.
ويبدو أن هذا التكوين المؤسسي يفسر جزئياً الالتزام الصارم بالمرجعية في إيران والتأني في اتخاذ مبادرات محلية مرنة خارج أطر التنسيق—كما ظهر في تأخر تحديد الموقف التكتيكي من طروحات وقف إطلاق النار وآليات التفاوض.
تُعمّق هذه الإدارة الوظيفية المأزق الرمزي؛ فكثرة الإطلالات الصحفية المتعددة تجعل التنظيم يبدو وكأنه يُدار بحس المكتب الإعلامي وإدارة اليوميات لا بمركز قيادي أحادي.
فالجمهور الذي اعتاد أن يستمد اليقين من موقف واحد، يجد نفسه اليوم أمام تقاسم للأدوار يجيب على التفاصيل، لكنه يكرّس الانطباع بشتات الرمز الجامع.
يقف الحزب هنا أمام لحظة فارقة بين الاستمرار في العمل تحت عبء إرث نصرالله ومطالبة خلفه بتمثيل دورٍ لم يُكتب له، أو الاعتراف بأن مرحلة القيادة الكاريزمية الفردية قد انقضت لصالح إدارة مؤسسية متغيرة.
فالواقع يشير إلى أن الاستمرار في المراهنة على النمط القديم يهدد بتحويل الظهور المتلفز إلى موعد روتيني يُفرغ محتواه فور انتهائه، مما يوسّع الفجوة بين قيادة تُرى عبر الشاشات وبيئة تعيش أوجاع النزوح والدمار وتتطلب قيادة تتكيف مع معطيات الواقع الجديد.
