
بقلم الياس عيسى الياس
ثمة كتب لا تكبر لأنها قديمة، بل لأنها تصرّ على ملاحقتنا في حاضرنا.
عادت «الأجنحة المتكسرة» إلى ذاكرتي أخيرًا، حين رأيت ابنتي تقرؤها ضمن قراءات العطلة الصيفية. توقفتُ أمام المشهد طويلًا؛ فالكتاب الذي رافقني منذ سنوات الدراسة الأولى كان يعود إليّ هذه المرة من بين يدي جيل جديد.
وأنا أرقب شغفها بالصفحات، لم يعد يبدو لي أن جبران خليل جبران كان يروي قصة حب خائبة فحسب، بل كان يحوّل التجربة الفردية إلى رمز يتجاوز العاطفة المجردة ليصل إلى سؤال الحرية والسلطة ومصير الإنسان في وطنه.
تجسّد «سلمى كرامة»، بعين لبنان اليوم، ذلك الوجه اللبناني التائق للعيش بحرية وتعدد وقدرة على تحديد مساره بنفسه. لم يكن ما حدث لسلمى مجرد انتصار لرجل على امرأة، بل انتصار لمن يملك القوة والنفوذ على من يُحرم من إرادته.
أحداث الرواية تسرد قصّة سحق الاستقلال الذاتي تحت سطوة سلطة تتذرع بالمقدس؛ فالمطران بولس غالب يمارس السيطرة تحت غطاء ديني يخلع شرعية مطلقة على مصالحه، بينما يمارسها ابن أخيه منصور بك بصورة أكثر فجاجة طمعًا في المال والنفوذ. جبران هنا لا يهاجم الإيمان، بل يهاجم السلطة حين تستعير القداسة لتصادر المستقبل.
تكتمل مأساة الرواية بعجز الأب «فارس أفندي كرامة»، الذي آثر الخضوع لإرادة المطران على خوض مواجهة غير مضمونة النتائج. هنا تحديدًا تصبح الرواية أكثر إزعاجًا؛ فالأوطان لا تخسر استقلالها فقط عندما يظهر المستبد، بل تخسرها أيضًا عندما يعجز من يعرفون الخطر عن مواجهته.
وإذا كان فارس كرامة قد آثر الخضوع فردًا أعزل، فإن الطبقة السياسية اللبنانية تجاوزت عجز الأب إلى الشراكة؛ إذ ارتضت التسويات التي كرّست اختلال ميزان القوى، وآثرت البقاء في المشهد على خوض معركة السيادة وبناء الدولة القادرة.
في لبنان اليوم، يتكرر المشهد بأدوار مطابقة؛ إذ تجد «سلمى اللبنانية» نفسها محاصرة بين سلطة تدير قرار السلاح وتُغلف خياراتها بقداسة عقائدية لا تُراجع كالمطران، وبين نظيرٍ لمنصور بك يرى السلاح والدستور ملكًا لجمهوره ومشروعه الخاص، وصولًا إلى اعتداءات وضغوط خارجية تواصل تدمير البيوت وتهجير السكان.
يجد المواطن نفسه يدفع كلفة خيارات مصيرية لم يشارك في اتخاذها، فيما تتراجع الدولة من موقع صاحب القرار إلى دور الشاهد العاجز.
حين تغدو قرارات الحرب والسلم تُفرض من خارج المؤسسات الجامعة، ويُحتكم إلى منطق القوة بدل الدستور — كما يتجلى في محطات الأزمات الميدانية المتكررة — لا تتآكل هيكلية الدولة فحسب، بل تنكسر قدرة المجتمع كله على التحليق.
لم تمت سلمى وحدها في ختام الرواية؛ بل مات معها شيء من الحق في إدارة الذات، وشيء من الثقة بأن الإنسان يستطيع كتابة حياته بيده.
لهذا تبدو الرواية مؤلمة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لا يزال الوقت متاحًا في لبنان كي لا تصبح الاستعارة قدرًا محتومًا. الأجنحة لا تُرمّم بالكلمات؛ بل تحتاج إلى دولة تملك قرارها، ومواطن يملك حقه في الاختيار، ومنظومة تقبل أخيرًا بأن الشراكة الوطنية لا تستقيم تحت ظلال الإكراه.
فهل يستطيع اللبنانيون أن ينقذوا أجنحة وطنهم قبل أن تتحول «الأجنحة المتكسرة» من عنوان رواية إلى وصف نهائي للبنان؟
