الشرق الأوسط الجديد (٩): من صراع الجغرافيا إلى صراع المعرفة

بقلم د. نواف كبارة

في المقالات السابقة من سلسلة «الشرق الأوسط الجديد» حاولنا قراءة التحولات الكبرى التي ستعيد تشكيل المنطقة: مستقبل الدولة الوطنية والقومية العربية، مستقبل الإسلام السياسي السني والشيعي، موقع إيران وتركيا وإسرائيل، الصراع بين المشاريع الإقليمية، ومستقبل العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي.
لكن هذه الصورة تبقى ناقصة إذا اقتصرنا على السياسة والدين والجغرافيا.

فهناك قوة أخرى تتحرك بسرعة أكبر من معظم هذه الصراعات، وقد تكون خلال العقود المقبلة أكثر تأثيراً في تحديد موازين القوة من كثير من عناصر القوة التقليدية: الثورة العلمية والتكنولوجية التي يقودها الذكاء الاصطناعي.

فالشرق الأوسط الجديد لن تصنعه فقط نتيجة الصراع بين إسرائيل وإيران وتركيا، ولا مستقبل الإسلام السياسي، ولا شكل العلاقة بين السنة والشيعة، ولا حتى التسويات والحروب التي ستعيد رسم التوازنات الإقليمية.
سيصنعه أيضاً سؤال مختلف تماماً:
من سينتج المعرفة في هذه المنطقة، ومن سيكتفي باستهلاكها؟
وهنا ننتقل من خريطة الشرق الأوسط السياسية إلى خريطته الاقتصادية والحضارية.

من يملك المستقبل؟

كان الصراع على الشرق الأوسط خلال القرنين الماضيين مرتبطاً بالجغرافيا والممرات والموانئ والنفط والغاز والموقع الاستراتيجي.
أما في العقود المقبلة، فسوف تضاف إلى هذه العناصر موارد جديدة للقوة: البيانات، والخوارزميات، وأشباه الموصلات، والقدرة الحاسوبية، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة اللازمة لتشغيل هذه المنظومة، ثم الفضاء.

وبذلك يتغير معنى القوة نفسه.
لن تختفي الجيوش، ولن يفقد النفط والغاز أهميتهما فجأة، ولن تتوقف الصراعات الجيوسياسية. لكن خلف هذه الخريطة التقليدية ستتشكل خريطة أخرى للقوة.
وفي هذه الخريطة، قد تكون الدولة الصغيرة التي تنتج المعرفة أكثر تأثيراً من دولة كبيرة تملك الموارد الطبيعية ولكنها لا تستطيع تحويلها إلى تكنولوجيا.
وهذه تحديداً إحدى المعضلات الكبرى التي تواجه العالم العربي.
الدرس الذي لم نتعلمه من النفط
منح النفط العالم العربي فرصة تاريخية هائلة.
فقد امتلكت المنطقة أحد أهم الموارد التي قامت عليها الثورة الصناعية الحديثة والاقتصاد العالمي في القرن العشرين.
لكن امتلاك النفط لم يكن مشروطاً بإنتاج المعرفة.
كان بالإمكان استخراج النفط وتصديره، ثم استخدام العائدات لشراء السيارات والطائرات والمصانع والتكنولوجيا والأسلحة والسلع التي أنتجتها المجتمعات الأخرى.
وهكذا أمكن، بدرجات مختلفة، امتلاك الثروة من دون امتلاك المعرفة التي تنتج الثروة الحديثة.
أما الثورة المقبلة فلن تسمح بهذه المعادلة بسهولة.
فالذكاء الاصطناعي ليس مادة موجودة تحت الأرض.
إنه نتيجة تراكم طويل للجامعات والرياضيات والفيزياء والهندسة والحوسبة ورأس المال والبحث العلمي والشركات والمؤسسات.
لذلك فإن الأطروحة الأساسية التي يجب أن ينطلق منها الشرق الأوسط الجديد اقتصادياً هي:
النفط سمح لنا بأن نمتلك الثروة من دون أن ننتج المعرفة، أما الذكاء الاصطناعي فلن يمنحنا هذا الامتياز مرة أخرى.

الشرق الأوسط يدخل الثورة الجديدة من مواقع مختلفة

وهنا تظهر خريطة جديدة للمنطقة.
إسرائيل تمتلك قاعدة علمية وتكنولوجية متقدمة إقليمياً، وقد بنت خلال عقود منظومة تربط الجامعات والبحث العلمي والشركات والاستثمار والتكنولوجيا.

لكن هذه الأفضلية لا تعني بالضرورة أن إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، ستتعامل بسهولة مع قيام قاعدة علمية ومعرفية عربية مستقلة وقادرة على إنتاج قوة عربية كبيرة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. فالمعرفة في هذا المجال ليست مجرد مورد اقتصادي، بل مصدر قوة استراتيجية وعسكرية وسياسية، ومن المعقول افتراض أن القوى المتفوقة قد تسعى، بدرجات مختلفة، إلى ضبط انتقال بعض التقنيات الحساسة أو الحد من نشوء منافسين مستقلين إذا رأت في ذلك تهديداً لمصالحها. غير أن مدى وجود مثل هذه السياسة، وحدودها، وما إذا كانت ستتخذ شكل منع مباشر أو قيوداً على التكنولوجيا والاستثمار والتعاون، يظل مسألة تحتاج إلى أدلة وسياقات محددة، ولا ينبغي التعامل معها كحقيقة محسومة.
وفي المقابل، تمتلك دول الخليج عناصر قوة مختلفة: المال والطاقة والبنية التحتية والقدرة على تنفيذ استثمارات ضخمة واستقطاب الشركات والخبرات العالمية. وهي تتحرك بسرعة لبناء موقع لها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
لكن التحدي بالنسبة إليها سيكون الانتقال من تمويل التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن شراء المعرفة إلى توطينها.

أما عدد من الدول العربية الأخرى فيمتلك مورداً مختلفاً: الإنسان.
هناك ملايين الشباب، وجامعات، ومهندسون وأطباء وعلماء، إضافة إلى كتلة ضخمة من الكفاءات العربية المنتشرة في جامعات وشركات العالم.

لكن هذه الدول تعاني ضعف البحث العلمي، وهجرة العقول، ونقص التمويل، وعدم الاستقرار، وضعف العلاقة بين الجامعة والاقتصاد.
وهناك دول عربية أخرى مهددة بأن تصبح خارج الثورة الجديدة تقريباً.
وهكذا يمكن أن يظهر شرق أوسط جديد مقسم ليس فقط بين دول عربية وإسرائيل وإيران وتركيا، أو بين دول غنية وفقيرة، بل بين:
دول تنتج المعرفة، ودول تمولها، ودول تستهلكها، ودول تعجز حتى عن اللحاق بها.
هل يُسمح بقيام قوة عربية معرفية مستقلة؟
هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية في مستقبل المنطقة.
فقيام قاعدة عربية مستقلة للبحث العلمي والذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد مشروع تنموي، بل قد يتحول إلى نواة قوة استراتيجية قادرة على تغيير موازين الشرق الأوسط. وإذا امتلك العالم العربي منظومة مشتركة للبيانات والحوسبة والرقائق والجامعات والبحث العسكري والتكنولوجيا الحيوية، فلن يبقى مجرد سوق للمنتجات الأجنبية أو مصدر للطاقة ورأس المال.

ولهذا من المحتمل أن تواجه أي محاولة عربية لبناء استقلال معرفي ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية، مباشرة أو غير مباشرة، من إسرائيل والولايات المتحدة أو من قوى دولية أخرى ترى في بعض أشكال الاستقلال التكنولوجي تحدياً لمصالحها. وقد تشير القيود على تصدير التقنيات المتقدمة، وضوابط الاستثمار والتعاون في بعض المجالات الحساسة، والتنافس على سلاسل التوريد، إلى أن القوى الكبرى لا تنظر إلى التكنولوجيا المتقدمة باعتبارها مجالاً اقتصادياً محايداً تماماً. لكن ذلك لا يثبت وجود سياسة موحدة أو حتمية هدفها منع قيام قاعدة معرفية عربية؛ فقد تتداخل في هذه السياسات اعتبارات الأمن القومي والمنافسة التجارية وحماية التقنيات الحساسة، كما قد تختلف المواقف باختلاف الدول والقطاعات والظروف.

ومن هنا قد يجد العالم العربي نفسه أمام جولة جديدة من الصراعات، لا تنتهي بسهولة، حول الجامعات والبيانات ومراكز الحوسبة والرقائق وسلاسل التوريد والقدرات العسكرية والتكنولوجيا الحيوية. وقد تصبح المعركة على من يملك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من المعارك التقليدية على الحدود والنفوذ.
لكن هناك خياراً آخر، أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً: تعاون إقليمي يدمج إسرائيل وتركيا، وربما إيران، في منظومة مشتركة لإنتاج المعرفة وصناعة الذكاء الاصطناعي.

هذا التعاون قد يفتح إمكانات هائلة، لأن إسرائيل تملك قاعدة بحثية وتكنولوجية متقدمة، وتركيا تملك قاعدة صناعية وسكانية واسعة، وإيران تملك كتلة علمية وهندسية كبيرة، بينما يمتلك العالم العربي الطاقة ورأس المال والأسواق والموقع الجغرافي. وإذا اجتمعت هذه العناصر، فقد تنشأ واحدة من أكبر المنظومات التكنولوجية في العالم.

لكن هذا الخيار يطرح سؤالاً سياسياً واستراتيجياً بالغ الصعوبة: هل يمكن إنتاج معرفة مشتركة في ظل صراعات عميقة، واحتلال، وتنافس إقليمي، وعقوبات، وانعدام ثقة، وتعارض في المشاريع السياسية؟ وهل سيكون هذا التعاون متكافئاً، أم سيعيد إنتاج تبعية عربية جديدة داخل منظومة تقودها القوى الأكثر تقدماً؟
لذلك فإن العالم العربي قد يجد نفسه بين طريقين متناقضين: صراع طويل قد ينشأ حول شروط قيام قاعدة معرفية عربية مستقلة، أو تعاون إقليمي واسع يدمج الخصوم في إنتاج المعرفة، لكنه قد يفرض أثماناً سياسية واستراتيجية كبيرة.
الطاقة تعود بصورة جديدة
لكن الثورة التكنولوجية لا تعني نهاية أهمية الطاقة.
بل قد تعيدها إلى مركز الاقتصاد العالمي بطريقة جديدة.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرة حاسوبية ضخمة، ومراكز البيانات تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء. وتشير التطورات العالمية الحالية إلى أن توفر الكهرباء الموثوقة والتنافسية أصبح عاملاً رئيسياً في قرارات الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وهنا يمتلك الشرق الأوسط ميزة مهمة. فالمنطقة تمتلك النفط والغاز، لكنها تمتلك أيضاً واحداً من أكبر الإمكانات العالمية للطاقة الشمسية، إضافة إلى توسع بعض دولها في مصادر أخرى للطاقة.

ومن هنا يمكن أن يحدث تحول تاريخي.
في القرن العشرين كنا نستخرج الطاقة ونرسلها لتشغيل مصانع الآخرين.
أما في القرن الحادي والعشرين فيمكن أن نستخدمها لتشغيل مصانع الذكاء الاصطناعي داخل المنطقة نفسها.
وهذا يعني الانتقال من تصدير برميل النفط إلى تصدير القدرة الحاسوبية والمعرفة والخدمات الرقمية.
الجامعات هي حقول النفط الجديدة
لكن امتلاك الطاقة ورأس المال لن يكون كافياً.
يمكن شراء الخوادم، وبناء مراكز البيانات، واستقطاب الشركات العالمية.
لكن لا يمكن شراء مجتمع معرفي جاهزاً.

ولهذا، إذا كانت حقول النفط قد صنعت ثروة الشرق الأوسط في القرن العشرين، فإن الجامعات ومراكز الأبحاث هي التي ستصبح حقول النفط الجديدة في الشرق الأوسط الجديد.

وهذا يتطلب ثورة في مفهوم الجامعات في العالم العربي.
فالجامعة لا يمكن أن تبقى مصنعاً للشهادات والموظفين. يجب أن تصبح مركزاً لإنتاج البحث والمعرفة والابتكار والشركات والأفكار.
ويجب أن تتحول هجرة العقول العربية من نزيف دائم إلى شبكة معرفية عالمية يمكن ربطها بمراكز البحث والجامعات والاقتصادات العربية.
لقد صدّرنا طوال عقود النفط والعقول معاً.
كان النفط يعود إلينا بالمال.
أما العقول فكانت تأخذ معها جزءاً من قدرتنا على إنتاج المستقبل.
الشرق الأوسط الجديد يحتاج إلى مركز ثقافي جديد
لكن التحول المطلوب أعمق من الاقتصاد.
فإذا كان الشرق الأوسط الجديد يحتاج إلى اقتصاد جديد، فإنه يحتاج أيضاً إلى بنية ثقافية جديدة قادرة على فهم هذا الاقتصاد والعالم الذي ينتجه.
وهنا نصل إلى مسألة حساسة ولكن لا يمكن الهروب منها.
لقد احتلت المؤسسات الدينية تاريخياً موقعاً مركزياً في إنتاج الخطاب المجتمعي والثقافي في المنطقة.
وسيظل الدين مكوناً أساسياً في الهوية والقيم والحياة الاجتماعية لملايين الناس.
لكن فهم العالم الذي ندخله يحتاج إلى انتقال مركز الثقل المعرفي في المجتمع نحو الجامعة ومركز الأبحاث والمختبر والعالم والمفكر.
فالعالم الجديد يطرح أسئلة لم تعرفها المجتمعات القديمة أصلاً.
ماذا يحدث للعمل عندما تصبح الآلة أكثر قدرة؟
من يملك البيانات؟
من يتحمل مسؤولية قرار الخوارزمية؟
ما حدود الهندسة الجينية؟
ماذا يحدث عندما تندمج التكنولوجيا بالجسم البشري؟
ما معنى الخصوصية والملكية والسيادة في عالم الخوارزميات؟
وما معنى الإنسان نفسه عندما تبدأ الآلة بمنافسته في قدرات كان يعتبرها جوهر تفوقه؟
لا يعني ذلك إلغاء الدين أو الصراع معه.
بل يعني إعادة توزيع الوظائف المعرفية: للدين مجاله الروحي والأخلاقي، وللفلسفة دورها النقدي، ولكن العلم والجامعة يجب أن يصبحا في مركز فهم العالم المادي والتكنولوجي الجديد.

من صراع الأساطير إلى صراع المعرفة

وهنا يرتبط هذا المقال مباشرة بالأطروحة الأوسع لمشروع الشرق الأوسط الجديد.
فقد تحدثنا في هذه السلسلة عن استمرار تأثير الأساطير الدينية والمشاريع العقائدية الكبرى في الصراع الإقليمي: أرض الميعاد، ودولة الخلافة، وعودة المهدي، وعن المصالح والقوى والمشاريع السياسية التي تتحرك خلفها.
لكن بينما تستنزف المنطقة جزءاً كبيراً من طاقتها في الصراع حول الماضي، يتحرك العالم بسرعة هائلة نحو المستقبل.
وهذه ربما تكون المفارقة الكبرى في الشرق الأوسط.
نحن نختلف حول تفسير التاريخ، بينما الآخرون يتنافسون على صناعة المستقبل.

ومن هنا فإن التحرر من هيمنة الأسطورة على السياسة لا يعني التخلي عن الهوية أو الدين، بل تحرير العقل السياسي والاجتماعي لكي يستطيع التعامل مع العالم كما أصبح، لا كما كان قبل قرون.
فالشرق الأوسط الجديد الحقيقي لن يولد فقط عندما تتغير الحدود أو التحالفات.
سيولد عندما يتغير مركز إنتاج المعنى والمعرفة والقوة داخل المجتمع نفسه.
الثقافة العربية ولغة المستقبل
لهذا تحتاج الثقافة العربية إلى مصالحة كبرى مع المستقبل.
العالم يناقش الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والهندسة الجينية والروبوتات واقتصاد الفضاء وإطالة الحياة ومستقبل العمل والسيادة الرقمية.
ولا يمكن للعربية أن تبقى لغة نتحدث بها بصورة أساسية عن تاريخنا، ثم نستخدم لغات الآخرين عندما نريد المشاركة في صناعة المستقبل.
يجب تطوير المحتوى العلمي العربي، وترجمة المعرفة العالمية بسرعة، ورقمنة التراث والإنتاج الفكري، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تفهم العربية ومجتمعاتها، وإعادة العالم والباحث والمفكر إلى قلب المجال العام.
فاللغة العربية يجب ألا تكون فقط لغة نتذكر بها من كنا، بل لغة نفكر بها في ما نريد أن نصبح.
ثم يأتي الفضاء
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل أحد محركات الثورة المقبلة، فإن الفضاء سيكون أحد ميادينها الكبرى.
فالأقمار الصناعية أصبحت جزءاً من الاتصالات والإنترنت والملاحة والزراعة وإدارة المياه والمناخ والنقل والأمن.
ومع اندماج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات والتكنولوجيا الفضائية، ستنشأ صناعات لم تتضح حدودها بعد.
وهنا يجب ألا يكرر العالم العربي خطأه القديم: الانتظار حتى ينتج الآخرون التكنولوجيا ثم شراؤها منهم.
يجب الدخول إلى اقتصاد الفضاء وهو يتشكل.

مشروع عربي للمعرفة

من هنا يصبح مشروع الشرق الأوسط الجديد بالنسبة إلى العالم العربي أكثر من مشروع سياسي.
إنه يحتاج إلى مشروع عربي للمعرفة.
فالمنطقة مجتمعة تمتلك الطاقة ورأس المال والأسواق والجامعات والكفاءات والموقع الجغرافي.
وما ينقصها هو القدرة على تركيب هذه العناصر في منظومة واحدة.
يمكن للدول الغنية بالطاقة ورأس المال تمويل البنية التحتية والبحث، ويمكن للدول ذات الكثافة البشرية والجامعية توفير قاعدة واسعة من الباحثين والمهندسين، ويمكن ربط العلماء العرب في الخارج بمراكز بحث إقليمية، وإنشاء بنية عربية مشتركة للحوسبة والذكاء الاصطناعي والفضاء.

وهكذا يصبح التكامل العربي في المستقبل أقل ارتباطاً بالشعارات الوحدوية القديمة وأكثر ارتباطاً بالمصلحة الاقتصادية والمعرفية المشتركة.

لكن هذا المشروع لن ينجح إذا بقي رهينة للتنافس بين الدول العربية أو للضغوط الخارجية أو للاعتقاد بأن شراء التكنولوجيا يكفي لبناء الاستقلال. فالمطلوب ليس مجرد استيراد أنظمة جاهزة، بل امتلاك القدرة على فهمها وتطويرها وإنتاج بدائلها، حتى لا يتحول التعاون الإقليمي إلى غطاء لتبعية جديدة.
المعركة الأخيرة هي معركة المعرفة
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه في سلسلة الشرق الأوسط الجديد.
ما مستقبل هذه المنطقة؟
لن تحدده إسرائيل أو إيران أو تركيا وحدها.
ولن تحدده نتيجة الصراع السني الشيعي، أو مستقبل الإسلام السياسي، أو النفط، أو التحالفات الدولية وحدها. ستحدده أيضاً قدرة مجتمعات المنطقة على الانتقال من الصراع على الماضي إلى المشاركة في صناعة المستقبل.

لكن العالم العربي قد يدخل في المرحلة المقبلة صراعاً جديداً حول حقه في إنتاج المعرفة، لا حول حقه في استهلاكها فقط. وإذا واجهت محاولاته لبناء قاعدة علمية مستقلة قيوداً خارجية، أو إذا لم يستطع هو نفسه تجاوز انقساماته وضعف مؤسساته، فقد تتحول المنطقة إلى ساحة تنافس دائم بين قوى خارجية وإقليمية على السيطرة على البيانات والطاقة والبنية التحتية والعقول. ولا يمكن الجزم مسبقاً بأن هذا المسار سيقع حتماً، لكنه يظل احتمالاً يستحق الانتباه في ضوء التنافس المتزايد على التقنيات الاستراتيجية ومصادر القوة الجديدة. منذ أربعين عاما تخوض ايران حرب منعها ليس فقط من إنتاج أسلحة نووية بل من تملك المعرفة لانتاج هذه القوة النووية. فهل سيسمح للعالم العربي بتملك القدرة على صناعة الذكاء الاصطناعي وهي قدرة أخطر بكثير من إنتاج قنبلة نووية.

لذا قد لا تكون الجولة المقبلة من الصراعات قصيرة أو قابلة للحسم، لأن موضوعها لن يكون أرضاً أو حدوداً فقط، بل القدرة على إنتاج المستقبل نفسه.

وفي المقابل، قد يفرض منطق المصالح خياراً آخر: تعاوناً إقليمياً يضم إسرائيل وتركيا وربما إيران، إلى جانب الدول العربية، في منظومة لإنتاج المعرفة وصناعة الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا الخيار لن يكون ممكناً إلا إذا سبقه تحول سياسي عميق يضمن التكافؤ، ويمنع استخدام التكنولوجيا لإعادة إنتاج الهيمنة، ويجعل المعرفة منفعة مشتركة لا أداة للسيطرة.

وهنا قد يكون التحدي الأكبر أمام العالم العربي أنه يدخل واحدة من أعظم التحولات في تاريخ البشرية بينما لا تزال أجزاء واسعة منه تفتقر إلى الأدوات المعرفية اللازمة حتى لفهم طبيعة هذا التحول.

إن أخطر أشكال التبعية في القرن الحادي والعشرين لن تكون أن نشتري التكنولوجيا التي يصنعها الآخرون.
بل أن نحتاج إليهم أيضاً لكي يشرحوا لنا معنى التكنولوجيا التي اشتريناها، والأسئلة التي تطرحها، والعالم الذي ستصنعه لنا.

لذلك فإن مشروع الشرق الأوسط الجديد لا يمكن أن يكون مجرد مشروع لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
يجب أن يكون بالنسبة إلى العالم العربي مشروع انتقال حضاري من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المعرفة، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن هيمنة الماضي على المجال العام إلى القدرة على التفكير في المستقبل.

لقد كان السؤال في الشرق الأوسط القديم: من يسيطر على الأرض؟
ثم أصبح: من يسيطر على النفط؟
أما السؤال الذي يتشكل أمامنا اليوم فهو:
من يملك المعرفة التي ستصنع العالم القادم؟
والجواب عن هذا السؤال قد يكون هو الذي سيحدد في النهاية من سيصنع الشرق الأوسط الجديد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top