
بقلم جوزاف وهبه
في شكل من أشكال “المزايدة” (على أمل ألّا تشبه “مزايدة” تشغيل فندق المعرض بما يقارب 15 مليون دولار..) يتنافس رؤساء مجالس مرافق طرابلس والشمال (“الميميّات” الستّة: مطار – مرفأ – معرض – منطقة خاصّة – مصفاة – محطّة قطار..) على الإطلالات الإعلاميّة، مطلقين – شمالاً ويميناً – الوعود التي طالما حلمنا بها، وطالما تمنّينا تحقيقها منذ حوالي النصف قرن من الزمن، فإذا هي أمامنا دفعة واحدة:
-أوّل طائرة ستقلع من مطار رينه معوّض – القليعات في شهر تشرين الثاني، كما يقول رئيس مجلس إدارة شركة Sky Lounge Services المشغّلة لمطار القليعات زياد المنلا، مضيفاً أنّ “هناك شركة مصريّة تملك طائرتين، وقد حازت على الموافقة الرسميّة”، وسبق أن جرى الحديث عن شركة تملك طائرة واحدة ستعمل على الخطّ بين القليعات وتركيّا وجدّة.. ويبقى وسط “الفرحة العارمة” تساؤلان: الأوّل، لماذا لم تكن الطائرة الأولى المنطلقة من المطار الجديد برعاية الميدل إيست، وهي الشركة الوطنيّة والموثوقة؟
الثاني، ماذا حلّ بمشروع الطريق بين طرابلس والعبدة، مروراً بالملّولة والبداوي وحاجز دير عمار وأوتوستراد المنية ومفرق بحنين والمحمرة.. وهل يمكن لمسافر من الكورة أو زغرتا وبشري وطرابلس أن يفضّل مطار القليعات على مطار بيروت، دونما احتساب متاعب الطريق ونوعيّة الطائرات والشركات المجهولة!؟
-ما أن خرج رئيس مجلس إدارة معرض كرامي الدولي هاني الشعراني من حفل إطلاق “مزايدة” تلزيم فندق كواليتي إن (سابقاً) بحضور وزير الإقتصاد عامر البساط، حتّى بادر إلى الإعلان عن توفّر حوالي 100 وظيفة: فهل تقدّم حقّاً بعض المستثمرين للمشاركة في المزايدة، بالشروط التعجيزيّة (15 مليون دولار، غرف لا تستوفي الشروط العالميّة، اليونيسكو يرفض زيادة عدد الغرف أو التعديل في خريطة البناء…)، هذا عدا السؤال إذا ما كانت الحركة الإقتصاديّة – السياحيّة في المدينة تحتمل فندق 5 و 6 نجوم، أو علينا بدايةً “ببعض التواضع”، للوصول إلى ما نتمنّاه من كلّ قلوبنا.. ال 100 وظيفة حضرت قبل المستثمر، وقبل ورشة العمل، أليس في ذلك شيء من الإستعجال!
-حين أطلق وزير الأشغال فايز رسامني من طرابلس “مناقصة” جدوى تأهيل سكّة الحديد المتهالكة، ذهب الحماس بالبعض إلى الإدّعاء بأنّهم قد شاهدوا (بأمّ عينهم) عبور القطار إلى سوريّا فتركيّا، وأنّهم قد سمعوا الصفير العابر.. وها هو المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيّا يكتفي بالإعلان عن تشكيل لجنة لبنانيّة – سوريّة مشتركة للربط السككي، وإلى إطلاق دراسة الجدوى، بما يجعل الإنتقال من الحلم إلى الحقيقة رهن مراحل كثيرة ومتعرّجة، وبالطبع غير مستحيلة!
-رئيس وحدة الشؤون الإقتصاديّة والماليّة في هيئة إدارة قطاع البترول وسام الذهبي (عمر هذه الهيئة من عمر طيران الرئيس السابق ميشال عون وصهره الميمون فوق عشّ كاريش والبترول غير المستخرج) أعلن عن “بدء إعداد دراسة لمصفاة قد تستقطب استثمارات خاصّة تصل إلى نحو 4 مليارات دولار”. الرقم خياليّ في ظلّ تناقضات الوضع في العراق، ونفوذ الحشد الشعبي، وتعقيدات الوضع الإيراني العراقي اللبناني.. الرقم (4 مليارات..ولو كان بودّنا أن يكون 40) لا يجوز رميه في بيئة تكاد تعجز عن تأمين لقمة العيش. الأرقام مسؤوليّة.. وليست مجرّد وعود تُقال في حفل خطابي يتشارك في حضوره عليّة القوم!
-رئيس مجلس الإدارة (والمدير العام.. لا أفهم لماذا يرغبون في إطالة الألقاب) للمنطقة الإقتصاديّة الخاصّة في طرابلس الدكتور حسّان ضناوي كشف عن إطلاق مزايدة دوليّة في حزيران 2027 لتسليم أرض المشروع إلى مشغّل بعقد طويل الأمد: هل الظروف السياسيّة – الأمنيّة جاهزة لهذا النوع من الإستثمارات الكبيرة، أوليس من الأفضل أن يتمّ ذلك عبر السلطة المركزيّة كأن يتفاوض رئيسا الجمهوريّة والحكومة، مثلاً، مع دولة الإمارات صاحبة الباع الطويل في تشغيل مثل هذه المناطق، وذلك بدل الدخول في متاهات رجال الأعمال الذين يسلكون الطرق الملتوية السهلة، فيتحوّل المشروع إلى “بؤرة فساد” تُضاف إلى البؤر المتوزّعة على مساحة هذا البلد!!
-رئيس مجلس إدارة مصلحة استثمار المرفأ اسكندر بندلي عرض خطّة “لرفع قدرة المرفأ من نحو 250 ألف حاوية إلى 800 ألف. وتشمل الخطّة رصيفاً إضافيّاً واستثمارات تُقدَّر بنحو 300 مليون دولار، إلى جانب منصّة رقميّة لتبادل المعلومات”.. والسؤال: من أين التمويل في ظلّ ربط الإستثمارات بحلّ سلاح حزب الله؟ عدا عن أنّ أجواء مرفأ طرابلس لا توحي بالثقة لأصحاب الرساميل الذين يفضّلون بيئة نظيفة وخالية من التشبيح، فهل المرفآ كذلك؟
لا نكتب للتشكيك بالنوايا الطيّبة، بالتأكيد. ولا لنشر السلبيّة الطاغية في المجتمع المحلّي.. بل كي يكون كلّ “مسؤول” مسؤولاً عن وعوده ومشاريعه، وأن يكون واثقاً من القدرة على ربط الفعل بالقول، وأن لا يكون شعبويّاً لأنّ خسارته إنّما ترتدّ على المدينة والبلد ككلّ. نريد من المسؤولين الجدد (وهنا لا بدّ من شكر حكومة الرئيس نوّاف سلام على هذه التعيينات، وإن كانت كمَن يرمي الكرة في ملعب المدينة وأهلها) ألّا يسترسلوا في الوعود. فلتكن الكلمات على قدر الممكن، وليس على قدر الطموحات والتمنّيات!
