
بقلم الياس عيسى الياس
يوم الجمعة، الثالث والعشرين من تشرين الأول، قد تخفّض وكالة «موديز» تصنيف فرنسا الائتماني مرة أخرى. والأسواق لا تنتظر بهدوء؛ فالفارق بين الفائدة على السندات الفرنسية والألمانية اتسع من نحو 80 نقطة أساس في منتصف آب إلى أكثر من 140 نقطة أساس اليوم.
لكن هذه الأرقام ليست إلا الوجه البارد لأزمة أعمق.
فحين تعجز البلاد عن إقرار موازنة واضحة في مطلع العام لعامين متتاليين، ويقفز الدين العام إلى نحو 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، محققاً أعلى نسبة منذ عام 1946، يصبح واضحاً أن ما تشهده فرنسا ليس مجرد عجز حسابي عابر، بل انسداد سياسي شامل يهدد بأن تتسرب الأزمة السياسية إلى المالية فتضاعف حدتها.
أتابع تفاصيل هذا المخاض عبر تقارير صحيفة «لوموند»، فأرى بلداً يبدو وكأنه يسير على حبل مشدود.
المشهد هناك لا ينحصر في أرقام عجز مالي يُتوقع أن يبلغ 5.4 بالمئة هذا العام، وسط تقديرات وكالة «فيتش» بأن الدين قد يرتفع إلى نحو 128 بالمئة بحلول عام 2030، وأن خفض العجز بـ 2.5 نقطة على أربع أو خمس سنوات يكفي لتثبيته.
بل يتجسد في الغضب الذي تفجر مع أحداث العنف والنهب يوم السبت 17 تشرين الأول، حين خرجت تظاهرات لطلاب وتلاميذ يعترضون على ظروف دراستهم ويحتجون على عنف الشرطة، وفي الوقت ذاته يدينون أعمال التخريب والنهب التي مارستها جماعات مستقلة في جادة مونتين والشانزليزيه، ليتضح أن الشارع ليس كتلة واحدة، وأن الهوة تتسع يوماً بعد يوم بين الإليزيه ومواطنين يشعر كثير منهم بتآكل قدرتهم الشرائية.
وللغضب جذور ملموسة.
فمؤشرات الأسعار الرسمية تشير إلى ارتفاع تراكمي بنحو 19 إلى 20 بالمئة بين عامي 2017 و2025، فيما تُظهر بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء أن متوسط الأجر الصافي الحقيقي للعاملين بدوام كامل في القطاع الخاص انخفض بنحو 1.3 بالمئة بين عامي 2017 و2023.
وفي الجامعات والمدارس، يشكو الطلاب من تقليص الموازنة المخصصة لهم ومن نقص في الكادر التعليمي.
يكمن المأزق الحقيقي في هذا الانفصال الرهيب بين السلطة والشارع.
فالحكومة محاصرة بضغوط الأسواق وبتكلفة الاقتراض المتزايدة، في ظل حقيقة أن نحو 55 بالمئة من الدين العام مملوك لأجانب، وهي مجبرة على البحث عن إجراءات لخفض الإنفاق.
وبحسب تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي، تبلغ كلفة خدمة الدين في موازنة 2026 نحو 59.3 مليار يورو، بزيادة قدرها 23.1 مليار يورو عن عام 2020، أي أن الفوائد وحدها تبتلع جزءاً كبيراً من هامش الإنفاق على الخدمات العامة.
ولكنها، في المقابل، تفتقر تماماً إلى الأغلبية البرلمانية المستقرة التي تتيح لها تمرير قراراتها بسلاسة تحت قبة الجمعية الوطنية.
وحين يغيب التوافق، تصبح القوانين محط صدام، وتتحول الإصلاحات إلى ما يشبه الاعتداء المباشر على المكتسبات التاريخية للمواطنين.
وقد رأينا ذلك في إصلاح التقاعد عام 2023، الذي رفع السن القانونية من 62 إلى 64 عاماً ومرّ بالفقرة الثالثة من المادة 49 من الدستور (ما يُعرف بـ«49.3»)، وهي تتيح للحكومة تمرير النص دون تصويت عليه ما لم يُسقطها النواب بحجب الثقة.
ثم جاء قرار ماكرون حل الجمعية عام 2024 ليعمّق الانقسام السياسي ويضعف قدرة الرئاسة على فرض برنامجها.
وفي هذا السياق، يحذر جيل موِك، كبير اقتصاديي «أكسا»، من أن خطر الأزمة السياسية يكمن في تلويثها للمشكلة المالية التي تظل جدية لكنها قابلة للإدارة.
ومن قلب هذه العاصفة، يقف الرئيس إيمانويل ماكرون وفريقه أمام اختبار قاسٍ، محتمين أحياناً بـ «الهيئات الوسيطة» ومكتفين بكلمة تلفزيونية قصيرة لم تبدد، في تقديري، الشكوك القائمة.
ويزداد هذا الضغط مع اقتراب الانتخابات الرئاسية خلال ستة أشهر، تليها انتخابات تشريعية في حزيران، في وقت تدرس فيه الأسواق والمستثمرون عن كثب برنامج مارين لوبان وسط حالة من التوجس.
وفي ظل هذا الفراغ، تجد قوى اليمين المتطرف، وفي مقدمها لوبان، فرصة لاستثمار يأس الشارع وتحقيق مكاسب سياسية.
فالشعبوية تتغذى على الفوضى، وحين تفقد المؤسسات قدرتها على الإقناع، يصبح الشارع هو السيد البديل.
ولا يقتصر التآكل على الداخل.
فقد انسحبت القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، وتوسع الحضور الروسي في منطقة الساحل الأفريقي، ولم تتحول دعوة ماكرون إلى الاستقلال الاستراتيجي إلى قدرة أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة.
وللبنانيين خبرة بهذه الفجوة بين الطموح والقدرة: فباريس، برغم دورها التاريخي وحضورها العسكري في «اليونيفيل»، تبدو محكومة بسقف إسرائيلي أميركي يقيّد مبادراتها.
لذلك، فإن فرنسا اليوم لا تحتاج إلى أرقام صماء تُفرض بلا حوار، بل تحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بأن ضبط الإنفاق ضرورة، لكن الخلاف الحقيقي يكمن فيمن يدفع كلفته وكيفية توزيع أعبائه بعدالة لا تحمّل الفئات الأضعف وحدها وزر الإصلاح.
وعلى جدار محل مغلق بالألواح، رصدت «لوموند» عبارة تقول إن الظلام يخيّم على بلد الأنوار.
ويبقى أمام الفرنسيين، ونحن في لبنان أدرى الناس بمعنى أن تعجز دولة بمؤسساتها عن تشكيل أغلبية، سؤال واحد: هل تستعيد الجمهورية زمام المبادرة، أم يتركها عجز السياسة رهينة لفوضى لا تُحمد عقباها؟
