«رسالة الذي لا بدّ منه»: طرابلس بين الذاكرة والفعل والمصير

بقلم الياس عيسى الياس

يحمل عنوان كتاب «رسالة الذي لا بدّ منه: طرابلس – لبنان في كنف الوطن» شحنة رمزية كثيفة. فمؤلفه الدكتور علي العلي، أستاذ المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية والمدير السابق لكلية الفنون الجميلة والعمارة في الشمال، يستلهم عنوانه من أثر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي «رسالة الذي لا يُعوَّل عليه».

وإذا كان ابن عربي يتحدث عن الزائل الذي لا يُعوَّل عليه، فإن العلي يكتب عن «الذي لا بدّ منه»، أي عن الضرورة الوجودية والروحية التي تدفع نحو الفعل والانتماء، لا نحو الانتظار والخمول. وهكذا يصير العنوان جسراً بين الروح والفكر، واستعارة لمدينة تسعى إلى استعادة حضورها في كنف وطنها.

وتطالع القارئ على الغلاف الأمامي خريطة غير منشورة من قبل تعود إلى عام 1860، توثّق ملامح «مشروع الحكومة المسيحية» في لبنان. وليس هذا الاختيار تفصيلاً إخراجياً، بل مدخل إلى خلفية الاشتباك التاريخي بين طرابلس وكيان لبنان الكبير.

لا يكتب العلي بروح المؤرخ الجامد الذي يحصي الوقائع والسنوات، بل بروح الباحث الذي ينصت إلى نبض المدينة في ذاكرتها ومصيرها. فهو لا يقدّم تأريخاً تقليدياً لطرابلس، بل قراءة وجدانية وفكرية لتجربتها داخل الكيان اللبناني، تستنطق التاريخ لتكشف معناه لا لتسرده.

ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة التي يقوم عليها الكتاب. فطرابلس كانت عبر العصور مركزاً حضارياً وتجارياً عريقاً، ومرشّحة لأن تكون العاصمة الثانية للبنان وميناءه التجاري والثقافي. أما في الكيان الحديث فقد تحوّلت إلى «تجمّعٍ سكني لا دور له ولا وظيفة». وهذه الهوة بين عمق الماضي وواقع الحاضر هي الدافع إلى «الرسالة التي لا بدّ منها»، بحثاً عن المعنى والجدوى.

ويتتبع التحليل السياسي المسار من عشية إعلان دولة لبنان الكبير، مروراً بسنوات ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى ذروة الرفض للسلطة المركزية عام 1958. ويرى الكتاب أن هذا الرفض لم يكن سياسياً بحتاً، بل تعبيراً عن ولاء حضاري عميق لطرابلس تجاه محيطها العربي والإسلامي.

فالمدينة لم ترغب بالانضمام إلى الصيغة التي سُمّيت «الدولة المسيحية»، ورأت في ذلك اقتطاعاً قسرياً من فضائها التاريخي والثقافي الأوسع. وفي المقابل، سعى بعض القائمين على الدولة إلى تعديل صيغة «لبنان الكبير» والتخفف من تمسكهم بطرابلس والشمال. فنشأت رغبة متبادلة في الافتراق، وتشكّلت علاقة شائكة تراوحت بين التجاهل والريبة، وانتهت إلى ما يشبه «الطلاق الصامت» بين المدينة والدولة.

وقد أدى هذا الانفصال المعنوي إلى تراجع دور المدينة تدريجياً عن موقعها المحوري. وفي هذا السياق يستخدم العلي مفاهيم دقيقة مثل «فرض الكيان» في مقابل «الوحدة» و«الاسترجاع». وهو منحاز وجدانياً إلى مدينته، لكنه انحياز يرافقه وعي نقدي بقوة الكلمة في تشكيل التاريخ وإعادة إنتاج الذاكرة.

ولا يتوقف الكتاب عند الرثاء. فصاحبه لا يريد تثبيت طرابلس في موقع الضحية، بل يدعو إلى تحويل «الإرث الثقيل» إلى «طاقة خلّاقة» تصنع المستقبل. ولذلك يختم برؤية عنوانها «من التاريخ إلى الفعل»، تقوم على إعادة تعريف طرابلس من داخلها، في كنف وطن متصالح مع ذاته، وعلى قاعدة المواطنة الخالصة، بعيداً عن أوهام العزلة ونزعات الانفصال.

وأرى أن رهان الكتاب على تحويل الإرث الثقيل إلى طاقة خلّاقة يصطدم بسؤال المسؤولية. فالمشكلة لا تقتصر على إجحاف الدولة المركزية، بل تشمل بعض نخب طرابلس التي استثمرت طويلاً في خطاب المظلومية، وأدارت قضايا المدينة الكبرى بأدوات ضيقة ومكاسب فئوية. وهذا ما يجعل التراجع المزمن مسؤولية مشتركة تتطلب مكاشفة شجاعة.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تكفي «المواطنة الخالصة» وحدها لتحقيق الخلاص المنشود؟ أظن أن الخلاص لا يتحقق بلغة الضحية ولا بالاستغراق في مجد غابر، بل يبدأ من الجرأة في مواجهة العطب البنيوي في علاقة المدينة بمحيطها ودولتها معاً. وتلك الجرأة هي «الذي لا بدّ منه» لصناعة المستقبل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top