القرار عند “الحريري” وحده .. الباقي “كلام حنفشاري”!!

بقلم خالد صالح

يُحكى أنّه كان هناك رجلٌ يدّعي الحكمةَ والمعرفةَ في كلّ شيء، فإذا سُئلَ أجاب، بل وأفاضَ في الاجابة عن علمٍ أو غير علم، ومع مرور الوقت قرّرت مجموعة من أقرانِه أن يضعوا حدًّا له، فـ “نحتوا” كلمة لا أصل لها في اللغة العربية وهي “الخنفشار” ..
ذهبَ الرفاق وسألوه عنها، فأجاب بكل ثقةٍ وكبرياء: “الخنفشار” نباتٌ طيّب الرائحة يُزرع في بلاد اليمن، فإذا أكلته الإبل زاد اللبن في ضرعها، ليس هذا فحسب، بل اسمحوا لي أن أستشهد ببيتٍ من الشعر لشاعر يمني نسيتُ اسمَه يقول:
لقد عقَدَتْ محبّتكم فؤادي
كما عقدَ الحليبُ الخنفشار
دُهِش الرفاق بسرعة بديهته وقالوا: والله إنّك لخنفشاريّ لا مثيل له !! ..
ومع الوقت كثُرَ استخدام هذه المفردة وهي بحسب المعاجم، صفةٌ تُطلق على أيّ شيء لا معنى له أو على على أيّ شخصٍ يدّعي الفهم والمعرفة والعلم بالكثير من التفاصيل بل وأدّقها، وهو لا يملكُ منهم شيئًا، ويُدافع عن طروحاتِه بلا مبدأ، فقط لأنه “خنفشاري” !!..

ما أكثر الخنفشاريين

أتيتُ على ذكر هذه القصّة البسيطة، لأن هناك الكثير من “الخنفشاريين” الذين يدّعون معرفة قرار الرئيس سعد الحريري بشأن الانتخابات النيابية المقبلة، بل ويؤكدون أن قرار الرئيس قد حُسم وأن المشاركة فيها ستكون قائمة، بل ويزيدون على ذلك بأن هناك بعض الأسماء قد حُسمت وأنها تُمثّل الرئيس الحريري وتيار المستقبل للمرحلة المقبلة .
منذ أسابيع خلت نستفيق كلّ يوم على أخبار مفادها أن “تيار المستقبل” سيخوض الانتخابات، وأن إحصاءاتٍ قد أجريت وبلغت نتائجها مسامعَ الرئيس الحريري، ونرى بأم العين حراك بعض الأسماء في مختلف المناطق اللبنانية وهي “تُبشّر” بهذه العودة وأنّها من ضمن اللوائح التي ستحظى ببركة الرئيس وبدعم التيار الأزرق، ويصولون ويجولون تحتَ هذا الإدعاء من دون تقديم أيّ دليل على صحّته .
من دون شك تترقبُ السّاحة السياسيّة في لبنان هذا الأمر، والحديثُ يتصاعد يوميًا عن هذه العودة بعد غياب “طوعي” عن المشهدية السياسية التقليدية، هذا الغيابُ الذي تركَ فراغًا هائلًا لم تستطع أيّ حالة أن تسدّه على المستوى العام، لذلك فإن الغموض الذي يكتنفُ قرار الحريري يتسبّبُ في إرباكٍ واضح لدى غالبية الأفرقاء، ويُعرّي الكثيرين ممن يدّعون احتكارَ تمثيل “المستقبل” في المرحلة المقبلة، ويُسقط الكثير من الرهانات التي قامت على هذا الأساس .

الأزرق لم يحسمها بعد

“الشارع السنّي” يعيشُ على وقع الترقّب، إذ يعلمُ أن عودة الحريري والمستقبل إلى العمل السياسي العام من شأنه أن يُبدّلَ الكثير في شكل الخارطة السياسية، ليس فقط على مستوى التمثيل النيابي بل على مستوى “التموضع” السياسي الذي سيسلكه، فالكثير من الأمور قد انقلبت رأسًا على عقب نتيجة “التعليق”، والكثير من أوراق التوتِ قد سقطت عن عوراتٍ كثيرة وسوءَاتٍ أكثر، لأن “التيار الأزرق” اليوم يقف كـ “العادة” في “المنطقة الوسطية” التي لا تنتمي إلى أيِّ من الفريقين المتصارعين في لبنان، ومن شأن هذه “الوسطية” أن ترسم توازنًا مختلفًا لا تُرجّح كفّة فريق على آخر، بل تُحاول أن تجلب الاثنين معًا إلى هذه المساحة الدافئة .
وفق هذه النظرة ونتيجة لهذا الغموض الإيجابي إن صحّ القول، تجدُ الكثيرَ من “الخنفشاريين” الذين يحاولون استباق الأمور بهدف وضع أنفسهم على قائمة الأولويات، كمرشّحين “فافوريين” على لوائح الأزرق، خصوصًا وأن قرار الاستقلالية عن التحالف مع بعض الأحزاب قد اتخذ، وأن حالة “التعاطف” الشعبي في أوجّها هذه الفترة، وأن قدرات “المستقبل” اليوم ترفع من نسبة الفوز لمن يحظى بالرضا، لكن الحقيقة جلية، أينهم هم وأين الرئيس الحريري من هذا الأمر ؟ .

العودة المنتظرة

عودة الحريري !!، عبارة تقضّ مضاجع الكثيرين وتجعلهم يضربون أخماسًا بأسداس، لأن هذه العودة تتضمن أسلوبًا أكثر مرونة للكثير من الملفات الحسّاسة التي تعصف بالبلاد، ولا تدخل على الاطلاق في خانة الإصطفافات الحادّة، هذه العودة من شأنها أن تربك حسابات البعض الذين يعملون على رفع مستوى تمثيلهم لأهداف مستقبلية، أو تنسف أحلام الذين “عربشوا” على أوجاع الناس في الـ 2019 ليبلغوا ما بلغوه .
الكثير من “الخنفشاريين” يتحدثون عن علم أو غير علم، فهم يعلمون أن مشاركة الحريري والمستقبل في الانتخابات المقبلة من شأنها أن تُعيد الحياة إلى شرايين لبنان المتصلبة، وهي كفيلة بالتأثير المباشر وغير المباشر على عدد كبير من نتائج أكثر من دائرة، وأنه وبمجرّد أن يخرج “الدخان الأبيض” من بيت الوسط فإن حظوظهم ستأخذ بالارتفاع وحظوتهم بدخول جنة البرلمان ستكون كبيرة، لكن الشارع الحريري عمومًا والمستقبلي على وجه الخصوص ليس في وارد الالتفات إلى “ثرثرات الخنفشاريين”، وهو ينتظر “كلمة الفصل” كي يبني على الشيء مقتضاه .
لذلك فإن كل مدّعٍ أن الرئيس سعد الحريري يبارك ترشيحه فهذا الادعاء باطل ولا أساس له من الصحّة، فالقرار لم يُتخذ بعد، لأن قرار كهذا لا يُتخذ وفق رغبات البعض من هنا أو من هناك، فقرار المشاركة حصرًا لدى الحريري وهو إن حصل فلن يكون تفصيلًا عاديًا بل سيشكل عامل ضغط هائل على الجميع ويُعيد خلط الأوراق على الساحة المحلية، ومحطة فاصلة لعودة “التيار الأزرق” كي يحتلّ مكانته الطبيعية في قلب المعادلة ..
عدا هذا .. يظلّ ما قِيلَ بالأمس وما يُقال اليوم أو سيُقال غدًا .. كلام خنفشاري !! ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top