زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان:بين البركة الروحية وقراءة مواقف الأحزاب اللبنانية

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، تلك المناسبة التي يفترض أن تكون لحظة روحانية جامعة، لم تكن بمعزل عن المشهد السياسي المعقد في البلاد. بين الترحيب الرسمي والشعبي، غاصت الأحزاب اللبنانية في صياغة مواقف تتماشى مع استراتيجياتها الداخلية والخارجية، لتؤكد أن أي حدث ديني في لبنان لا يمكن أن يفصل بين الروح والسياسة والانقسام الطائفي.

أولاً: محور المقاومة والتحالف (حزب الله – حركة أمل – تيار المردة)

استغل هذا المحور زيارة البابا لاون الرابع عشر لتثبيت خطاب “العيش الواحد المشترك” وشرعنة مواقفه الإقليمية والدفاعية. الرسالة كانت واضحة: التأكيد على الشراكة التوافقية كضمانة لاستمرار لبنان في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.

حزب الله: وضع زيارة البابا لاون الرابع عشر في إطار سياسي متكامل، مع التأكيد على “العيش الواحد المشترك” لتخفيف المخاوف المسيحية، وتمسكه بـ”الديمقراطية التوافقية” كرفض للإقصاء. كما استثمر الثقل الأخلاقي للبابا لدعوة المجتمع الدولي إلى رفض “الظلم والعدوان” الإسرائيلي، وطمأن الجمهور المسيحي بأنه شريك في حماية السيادة اللبنانية. من هذا المنطلق، اعتبرت الرسالة فرصة لإعادة رسم الصورة الوطنية للمقاومة وربطها بالحضور المسيحي.

حركة أمل: ركّزت على الوحدة الوطنية والتأكيد على صورة جامعة للبلاد، مستغلة مناسبة زيارة البابا لاون الرابع عشر لتسليط الضوء على معاناة الجنوب وربطها برحلة المسيح في المنطقة. رسائلها كانت دبلوماسية وإنسانية أكثر منها سياسية صريحة، لكنها تخدم الغرض ذاته: تعزيز دور المقاومة كضامن لحماية المدنيين.

تيار المردة: اعتبر الزيارة “رسالة إيمان ورجاء وتمسّك بالأرض والجذور”، مؤكداً الثبات في مواجهة التحديات، ومحاولاً تعزيز دوره كطرف مسيحي متوافق مع التحالفات القائمة ضمن المشهد الوطني.

ثانياً:القوات اللبنانية – الكتائب

حولت هذه القوى مناسبة زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى منصة مواجهة سياسية مباشرة، مسلطة الضوء على استعادة القرار الوطني والسيادة الكاملة.

القوات اللبنانية: رحّبت بالبابا، لكنها سرعان ما وضعت زيارة الفاتيكان في سياق سياسي، معتبرة أن لبنان هو دولة مؤسسات وسيادة، وأن أي سلاح خارج الدولة يضعف مبدأ السيادة ويهدد التعايش الوطني. رسالتها الأساسية كانت أن الزيارة يجب أن تعزز الدولة وليس أن تبرر أي سلوك مسلح أو هيمنة خارج القانون.

الكتائب اللبنانية: ركّزت على دور المسيحيين كعنصر وحدة وطنية، داعية الجميع لاستقبال البابا لاون الرابع عشر كرمز للانفتاح والسلام. سعى الحزب إلى تصوير المكوّن المسيحي كرافعة للوحدة الوطنية، بعيداً عن أي استقطاب أو صراع.

ثالثاً: محور البحث عن التوازن (التيار الوطني الحر – الحزب التقدمي الاشتراكي – التيارات المسيحية المحايدة)

اعتمدت هذه القوى خطاباً يجمع بين البعد الروحي والتأكيد على الشراكة والدستور، كل حسب موقعه وموقفه من المؤسسات اللبنانية.

التيار الوطني الحر: رأى في زيارة البابا لاون الرابع عشر “بركة” للبنان ودعماً سياسياً ومعنوياً، مع استحضار دور المسيحيين في النظام السياسي اللبناني.

الحزب التقدمي الاشتراكي: اعتمد موقفاً حيادياً مؤسساتياً، داعياً إلى عدم الانخراط في المحاور الطائفية، مع التأكيد على دعم الجيش والمؤسسات الأمنية كضمانة للاستقرار.

التيارات المسيحية المحايدة أو المتوازنة: اعتبرت زيارة البابا لاون الرابع عشر فرصة لاستعادة دور المسيحيين في الهوية الوطنية، لكنها اتخذت موقفاً متحفظاً، داعية إلى الوحدة الوطنية وتجنب الاستقطاب الطائفي.

الخلاصة التحليلية

زيارة البابا لاون الرابع عشر كشفت أن الانقسام السياسي العميق في لبنان يظل طاغياً حتى على أقدس المناسبات. الجميع رحّب بالضيف، لكن كل طرف وظف الحضور لدعم خطاباته:

محور المقاومة وحلفاؤه: شرعنة خطابهم الإقليمي والدفاع عن الشراكة التوافقية.

القوات اللبنانية – الكتائب: تفكيك خطاب الخصم، التأكيد على السيادة الوطنية، وتعزيز مفهوم الدولة كمؤسسة فوق أي سلاح أو نفوذ خارجي.

محور التوازن: تثبيت الدور المسيحي في الدولة، الدفاع عن الشراكة الوطنية، ودعوة للحياد وتأكيد المؤسسات كمرجعية أساسية.

البركة الروحية للزيارة لم تظل حدثاً دينياً فحسب، بل تحولت إلى مرآة للصراعات اللبنانية، حيث وجد كل طرف في الحضور البابوي رمزاً يعزز موقعه في لعبة التوازنات المستمرة. زيارة البابا لاون الرابع عشر هي، قبل كل شيء، اختبار حيّ للواقع السياسي اللبناني، يوضح أن الروح والسياسة في لبنان يسيران جنباً إلى جنب، وأن أي حدث روحي يُقرأ دائماً من منظور القوة والمصلحة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top