زغاريد الملاجئ ورماد الحروب: تاريخ لبنان بلسان أبي عيسى

بقلم الياس عيسى الياس

​أرخى جدي “أبو عيسى” بشتَه على كتفيه، وسحب نفساً عميقاً من نرجيلته، وكأن دخانها يرتسم صوراً من الماضي والحاضر والمستقبل في فضاء المقهى. نظر إليّ بعينين ثاقبتين وقال بصوت يتهدج بوقار السنين: “اقترب يا إلياس، يا ابن الروح.. الحكاية في لبنان يا جدي ليست مجرد أرقام جافة، هي عجنُ الفرح بالدم، وزغرودة العرس بصرخة الوداع. في بلادنا، الساعة لا تدق بالثواني، بل بوقع ‘الحدث’. تعال أرتب لك عمرنا كما عاشه هذا الزقاق، من فجر الاستقلال وصولاً إلى هذا الزلزال الذي نعيشه اليوم في آذار 2026.

​اسمع يا إلياس، في عام 1943، حين صعد بشارة الخوري ورياض الصلح إلى سدة الاستقلال، كان والدك لا يزال طفلاً يحبو؛ فرحنا يومها وظننا أننا ملكنا السماء، لكن الفرح هنا دائماً ما يكون ‘هدنة مؤقتة’. ففي عام 1958، حين اشتعلت الثورة ضد عهد كميل شمعون، كان عمك ‘طانيوس’ يُعمّد في كنيسة الضيعة، وأتذكر جيداً كيف امتزجت تراتيل المعمودية بصوت الرصاص في الساحة، حتى قلنا يومها إنه عُمّد بالماء والنار. ثم جاءت الستينيات، عصر المؤسسات والازدهار الهش، وفي عام 1969، حين وقعت ‘اتفاقية القاهرة’، كان ‘أبو محمد’ جارنا يعقد قرانه، وكان الناس يرقصون في الشوارع وهم يتحدثون عن السلاح الذي بدأ يفيض في المخيمات، ولم يدركوا أنها كانت رقصة الوداع للسلم الأهلي.

​وفي الثالث عشر من نيسان 1975، انفجر كل شيء في ‘عين الرمانة’؛ في ذلك اليوم كان من المفترض أن نحتفل بـ ‘قربانة’ ابنة عمتك، لكن القربانة تأجلت لأن البوسطة احترقت، واحترقت معها أحلام جيل كامل، فبدأت ‘حرب السنتين’ وصار الموت يوزع حصصه علينا بالتساوي. كبرت الحرب يا إلياس وصارت وحشاً ينهش الجدران، وفي حزيران 1982، حين وصلت الدبابات الإسرائيلية إلى بعبدا وبيروت، كانت ‘أم علي’ تولد في قبو البناية تحت القصف العنيف، وأسمت مولودها ‘صمود’ ليكون شاهداً على تلك اللحظة. وبعدها بعام، حين تفجر مقر المارينز، كنا نشيع جنازة ‘أبو يوسف’ الذي مات بحسرة بيته الذي دُمّر في ‘حرب الجبل’.

​ثم جاءت سنوات القهر الكبرى في نهاية الثمانينيات؛ ففي عام 1989 انطلقت ‘حرب التحرير’، وقضينا أشهراً طويلة في الملاجئ الرطبة، وهناك خطب ‘فادي’ ابنة الجيران على ضوء شمعة وصوت قذائف الـ ‘155’. وما إن انتهت تلك الحرب حتى نهشتنا ‘حرب الإلغاء’ في عام 1990، ويا للوجع يا جدي حين صار الإخوة يقتلون بعضهم في شوارع الأشرفية والمتن وكسروان، وفي عز ذلك القصف، كانت جدتك تخبز المرقوق للمقاتلين من الطرفين لأنهم في النهاية جميعاً أبناء الحارة الضائعة. انتهت الحرب بـ ‘اتفاق الطائف’، وفي التسعينيات بدأنا نبني ‘سوليدير’ ونحن نغني مع فيروز، لكن الجرح ظل مفتوحاً، ففي عام 1996 وقعت مجزرة ‘قانا’ في عدوان ‘عناقيد الغضب’، وكنا نحتفل بعمادة ابن عمك ‘شربل’ حين وصلتنا الأخبار، فانقلب الفرح مأتماً وطنياً.

​وفي الرابع عشر من شباط 2005، وقع زلزال اغتيال رفيق الحريري، وفي ذلك اليوم كان ‘أبو محمد’ يفتتح محله الجديد في قلب بيروت، فطارت الواجهات الزجاجية وسقط حلم الإعمار تحت الركام. ثم جاء تموز 2006، وصمدنا 33 يوماً تحت النار، وأتذكر أن جارتنا ‘ليلى’ تزوجت في ‘عرس جماعي’ للنازحين، حيث كانت تطرز طرحتها بين غارة وأخرى. توالت الأزمات من أحداث ‘7 أيار’ إلى الفراغات الرئاسية، وفي عام 2019 اندلعت الاحتجاجات الكبرى، وكان الشباب يحلمون بوطن يشبه طموحاتهم. لكن الفاجعة الكبرى كانت في الرابع من آب 2020، يوم انفجار المرفأ؛ في تلك الساعة كانت ‘أم محمد’ تحضر ‘جهاز’ ابنتها للزواج، فطار الجهاز والبيت وسقطت بيروت مضرجة بدمائها، وصرنا نعدّ الموتى بالآلاف.

​وصلنا إلى أيامنا هذه يا إلياس؛ ففي أيلول 2024 اهتزت الأرض برحيل السيد حسن نصرالله، ودخلنا في نفق من النار والعدوان لم نشهد له مثيلاً منذ عقود. واليوم، ونحن في آذار 2026، نعيش هذا العدوان الإسرائيلي الشرس الذي يطال الحجر والبشر، انظر من النافذة كيف يغطي الدخان الأفق والطائرات لا تفارق السماء. ومع ذلك، أتدري ماذا حدث بالأمس؟ ‘أبو محمد’ احتفل بـ ‘كتب كتاب’ حفيده في ملجأ آمن، والمختار وزع الملبس لأن حفيدته ‘ريتا’ نالت شهادة الطب بتفوق رغم عتمة الليالي وقسوة الحرب. نحن يا جدي قوم لا نموت، نؤرخ كل قذيفة بعرس، وكل دمار بصرخة حياة جديدة، فاللبناني لا يسأل ‘كم عمرك؟’ بل يسأل ‘أي الحروب صهرتك؟’. نحن نبني أعشاشنا فوق فوهة البركان، ونصرُّ على أن نزرع الزنبق في فوهات المدافع.”

​توقف جدي عن الكلام، تنهد بعمق ثم قال: “تعبتُ يا إلياس.. اذهب وتفقد الراديو، هل من أخبار عن ‘هدنة’ قريبة في هذا الشهر الفضيل، أم أن قدرنا أن نبقى حكايةً تُروى بين نارين؟”

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top