هل يتحضّر “حزب الله” لمواجهة داخلية؟

بقلم ندى جوني

اندلعت المواجهة العسكرية بين “حزب الله” وإسرائيل مجدداً بعد نحو عام ونصف على اتفاق وقف إطلاق النار، في سياق إقليمي متفجّر أعقب الحرب بين إيران وإسرائيل وما تلاها من تطورات كبرى. ومع تصاعد العمليات العسكرية منذ الثاني من آذار 2026، وتوسّع رقعة النزوح من جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية، دخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية والخطورة.

في هذا المناخ، لم يقتصر التصعيد على الجبهة العسكرية، بل تمدّد إلى الخطاب السياسي لحزب الله، الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في حدّته، -خصوصاً – مع تصاعد لهجة التخوين تجاه الدولة اللبنانية والتلويح بمواقف تصعيدية.

وقد جاءت تصريحات محمود قماطي لتشكّل نقطة مفصلية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود هذا الخطاب، وانعكاساته على الداخل اللبناني، ولا سيّما لجهة إمكانية انزلاقه نحو توتير الساحة الداخلية أو استخدام عناصر القوة في سياق يتجاوز المواجهة مع إسرائيل. وبين واقع ميداني مفتوح على احتمالات التصعيد، وخطاب سياسي يرفع السقف إلى مستويات غير مسبوقة، يبرز القلق من إعادة خلط الأوراق داخل لبنان، في لحظة يتقاطع فيها خطر الحرب الخارجية مع هشاشة الوضع الداخلي، ما يجعل مسألة توجيه السلاح وحدوده واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في المرحلة الراهنة.

جاد الأخوي: تحوّل خطاب ” حزب الله ” بين أزمة استراتيجية ومحاولة إعادة فرض معادلة القوة

أشار الصحافي جاد الأخوي إلى أنّ التحوّل في خطاب “حزب الله”، بعد تصريحات رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، يمكن قراءته من زاويتين متكاملتين. فمن جهة أولى، يعكس هذا التحوّل أزمة استراتيجية داخلية ناتجة عن تبدّل البيئة الإقليمية وتزايد الضغوط، ما يدفع الحزب إلى شدّ العصب داخليًا وتعويض تراجع هامش المناورة خارجيًا عبر رفع سقف خطابه السياسي في الداخل. ومن جهة ثانية، يشكّل هذا الخطاب محاولة لإعادة فرض معادلة القوة داخل لبنان، من خلال التلويح بأن أي تغيير في موازين القرار أو في ملف السلاح سيُواجَه بتصعيد، بما يكرّس موقع الحزب كقوة مقرّرة يصعب تجاوزها.
وأكد أنّ هذا الخطاب يجمع بين الدفاع عن موقع مأزوم والهجوم لمنع خسارة النفوذ، ما يعكس مرحلة حساسة يسعى فيها الحزب إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك، ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضًا داخل الدولة اللبنانية.

وفي هذا السياق، لفت إلى أنّ مثل هذه التصريحات ترفع منسوب التوتر السياسي والأمني، من دون أن تعني بالضرورة أنّ البلاد متجهة حتماً نحو مواجهة داخلية، إذ يبقى تأثيرها مرتبطاً بمدى ترجمتها على الأرض، سواء بقيت في إطار الضغط السياسي أو تحوّلت إلى تحركات شعبية ذات طابع صدامي.

وأشار الأخوي إلى أنّه في حال تراجعت قدرة ” حزب الله ” أو اهتزّت معادلة سلاحه، يمكن توقّع ثلاثة مسارات متوازية أو متدرجة: أولًا، تصعيد سياسي وشعبي لرفع كلفة أي محاولة لنزع سلاحه عبر الضغط في الشارع والمؤسسات؛ ثانياً، إعادة تموضع داخل الدولة من خلال تعزيز حضوره السياسي والمؤسساتي ومحاولة حماية نفوذه بغطاء شرعي أوسع؛ وثالثاً، في حال الشعور بتهديد وجودي، قد يلجأ إلى فرض وقائع ميدانية محدودة لضبط التوازنات. غير أنّه رجّح عملياً أن يكون السيناريو الأقرب هو مزيج من الضغط السياسي وإعادة التموضع، نظراً إلى الكلفة العالية لأي مواجهة داخلية شاملة في ظل الانهيار القائم.

وأكد الأخوي أنّ الرهان يبقى على ثبات الجيش اللبناني وقدرته على حفظ الإستقرار، باعتباره الضامن الأخير للسلم الأهلي، مشدداً على أنّه لا يمكن بناء أي رؤية وطنية من دون الإيمان بدوره. كما أشار إلى ضرورة تطبيق القانون، معتبراً أنّ بقاء الحزب خارج إطاره يستوجب عدم تمثيله في الحكومة، والدفع نحو إقالة وزرائه وتعيين شخصيات مستقلة بدلًا منهم.
وفي موازاة ذلك، أشار إلى وجود عوامل قد تُسرّع الإنزلاق، أبرزها استمرار التصعيد الخطابي، تآكل مؤسسات الدولة، أي احتكاك ميداني بين جمهورين، أو استخدام الشارع كأداة ضغط مباشر. في المقابل، أكد أنّ هناك عوامل كابحة لا تزال قائمة، مثل توازنات الردع الداخلية، والخشية الجماعية من الإنفجار، ودور الجيش في ضبط الأمن، إلى جانب الضغوطات الإقليمية والدولية لمنع الإنهيار الكامل.

وأضاف أنّ انشغال شريحة واسعة من اللبنانيين بالأزمات المعيشية، من التهجير إلى تأمين لقمة العيش، يحدّ من قابلية الشارع للإنخراط في تصعيد واسع.

وفي قراءته للتصريحات المنسوبة إلى محمود قماطي، أشار الأخوي إلى أنّها لم تعد مجرّد مادة سجالية، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة تعكس منطقاً يقوم على التهديد وإسقاط الدولة وفرض الإرادة بالقوة. وأكد أنّ الحديث عن مواجهة حتمية مع السلطة، واستحضار منطق إعدام الخونة، والتلويح بـقلب البلد، يخرج الخطاب من إطار السياسة إلى إعلان نية تقويض الكيان، ما يضع أصحابه خارج إطار الدولة لا في موقع المعارضة داخلها.
وأوضح أنّ هذا المنطق لا يكتفي برفض الدولة، بل يسعى إلى إعادة تعريف المجتمع عبر تقسيم اللبنانيين إلى مقاومين وخونة، مانحاً جهة واحدة حق تحديد الإنتماء، وهو ما يحمل في طياته بذور انفجار داخلي.
وختم الأخوي بالإشارة إلى أنّ لبنان يقف أمام مفترق حاسم: إما استعادة الدولة بقرار سياسي واضح وشجاع، أو ترك البلاد رهينة لمنطق الفرض بالقوة، مؤكداً أنّ الدولة لا تدار بالخوف ولا تحمى بالصمت، بل تبنى بقرار صلب يضع حدًا لأي سلاح يتقدّم على القانون.

حسن الدر: لا حرب داخلية في ظل قوة ” حزب الله ” ومحاولات إسرائيل إشعال الفتنة

أشار الكاتب السياسي حسن الدر إلى أنّ الميدان يبقى العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب، مؤكداً أنّ المواجهة لم تنتهِ منذ السابع من تشرين الأول 2023، بل دخلت مرحلة تشابك الساحات.

ولفت إلى أنّ توقيت أي تصعيد كان سيقابل دائماً بالسؤال ذاته: لماذا الآن؟ إلا أنّ الواقع يشير إلى أنّ المنطقة تعيش في قلب الحرب، وأن المؤشرات الميدانية هي التي تفرض الإيقاع.

وأكد أنّ الأداء الإسرائيلي يظهر تراجعاً نسبياً في القدرة على التحكم بالميدان، ما يدفعه إلى اللجوء لبدائل مثل التهديد بالإجتياح، واستدعاء الإحتياط، وفرض التهجير، وهي خطوات اعتبرها مدروسة ومقصودة ضمن استراتيجية ضغط.

في المقابل، شدد الدرّ على أنّ المقاومة استطاعت إعادة تنظيم أوراقها، والتحكم بإدارة النيران، ما يعكس تماسك الجبهة وفعالية القيادة، ويؤشر إلى أنّ “حزب الله” استعاد عافيته وبات في موقع قوة، بخلاف ما كان عليه في مراحل سابقة.
وانطلاقًا من هذا الواقع، أوضح الدر أنّ وجود الحزب في موقع قوة يجعله غير معني بتوجيه سلاحه إلى الداخل اللبناني، إذ إن أولويته تبقى في مواجهة العدو، لا الانخراط في صراعات داخلية.

في المقابل، رأى أنّ إسرائيل تعمل بشكل ممنهج على خلق فتنة داخلية، سواء بين بيئة “حزب الله” نفسه، أو بين الحزب والداخل اللبناني ، وحتى بينه وبين الجيش اللبناني، عبر استهداف مناطق مختلطة وتصعيد الضغوطات، بما في ذلك التهجير، كما حصل مع أهالي صور.

وأشار إلى أنّ هذه السياسات ليست عشوائية، بل تهدف إلى إحداث شرخ داخلي وبلبلة اجتماعية، تمهيداً لفرض وقائع سياسية جديدة.

واعتبر أنّ التصعيد الإسرائيلي، بما يتضمنه من استهداف لبيروت ومناطق خارج البيئة الشيعية، يندرج في سياق الضغط لإشعال فتنة داخلية تُضعف الجبهة اللبنانية.

كما أكد أنّ لبنان يواجه حرباً مصيرية، ما يجعل حتى الذهاب إلى التفاوض تحت الضغط أمراً بالغ الخطورة، خاصة أنّ الشروط الإسرائيلية تتضمن مطالب تعجيزية، أبرزها دفع لبنان لاتخاذ إجراءات عملية لنزع سلاح “حزب الله” خلال الحرب، وهو ما وصفه بأنّه محاولة لفرض ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه ميدانياً.

وشدد على أنّ هذه الشروط لا تخدم مصلحة اللبنانيين، بل تهدد استقرار البلاد ووحدتها.
وختم الدرّ بالإشارة إلى أنّ المرحلة الحالية تتطلب تماسكاً داخلياً ووعياً لطبيعة المخاطر، معتبراً أنّ مواجهة هذه الضغوطات لا تكون إلا بالتكاتف الداخلي ورفض الانجرار إلى الفتنة، في ظل محاولات إسرائيل استغلال الانقسامات لفرض شروط كارثية على لبنان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top