ايران.. من أوهام “الساحات الموحدة” لصالح “الأسواقالموحدة”!..

بقلم الياس عيسى الياس

​يُحكى في تراثنا الجبلي عن فلاحٍ غلبته العاطفة، أمضى عُمره يغرسُ السنديان عند حدود أرضه لتكون سياجاً ومنعة، وكان كلما عصفت ريحٌ لجأ إلى صلابة الخشب، معتبراً أن “العزّ في الشجر العالي”. لكنّ سنةً من سنوات القحط وافت الجبل، فلم يجد الفلاح في خشب السنديان قمحاً لأولاده، ولا في ظلها وقاية من الجوع الذي نهش البيوت. حينها، أدرك العجوز أن الشجر الذي لا يُثمر خبزاً، مهما بلغ شموخه، يتحول في زمن المَحْل إلى عبءٍ يغلق الأفق، وأنّ “المنعة” الحقيقية ليست في غلظة الجذوع، بل في حقول القمح.

​هذا الفلاح يختصر اليوم حال تلك البيئة الحاضنة التي أُقنعت لعقود بأن غرس “سنديان القوة” الإيراني على أرض لبنان هو السبيل الوحيد للبقاء، حتى استيقظت لتجد أن العالم من حولها—بما في ذلك “المُشغّل” الإقليمي نفسه—قد غيّر لغته، وانتقل من منطق “تثبيت الحدود” بالبارود إلى منطق “تثبيت الوجود” عبر مؤشرات الأسواق والبورصات الدولية. إننا نعيش اليوم تحت وطأة “هندسة إقليمية شاملة” تهدف لتحويل إيران من “ثورة عابرة للحدود” إلى “دولة داخل الحدود”.

​إنها اللحظة التي تتقدم فيها الواقعية السياسية (Realpolitik) لتعلن أن زمن الشعارات العاطفية التي استُخدمت لتعبئة الشارع اللبناني قد استُهلك، وأن “سعر الصرف” ومؤشرات الأسواق باتت تتقدم على “مدى الصاروخ” في حسابات البقاء الكبرى. وتتحدث مراكز الأبحاث الدولية، ومنها “مؤسسة كارنيغي”، عن مفهوم “التكلفة الهيكلية للتعبئة الثورية”، وهو مصطلح يترجم في أزقة طهران والضاحية الجنوبية إلى حقيقة ديموغرافية واضحة: الجيل الجديد في إيران، وحتى داخل البيئة الحاضنة للحزب، لم يعد يكتفي بصور البطولات المنقوشة على الخشب اليابس، بل يطالب بـ “الرفاهية بدلاً من التوسع”.

​وفي المقابل، يبرز دونالد ترامب، “رجل الصفقات” الذي يرى العالم كميزانية عمومية، حيث لا وجود لأعداء أبديين، بل لشركاء محتملين في سوق عالمية منضبطة. ترامب يدرك أن إخضاع الخصوم عبر “الدولار” أكثر استدامة وأقل كلفة من إخضاعهم عبر “المارينز”، وهذه المقايضة التاريخية—النووي مقابل الازدهار—تعني في جوهرها تجفيف منابع “الوظيفة الإقليمية” التي فُرضت على لبنان كمنصة للضغط والاشتباك.

​قد يتساءل البعض عن دخل “البورصة” بصراعات الهوية والحدود، والإجابة تكمن في جوهر “النموذج الصيني” الذي يسعى بعض أجنحة النظام الإيراني لتبنيه مؤخراً؛ حيث تنتقل شرعية النظام من “الشرعية الثورية” القائمة على التعبئة العسكرية، إلى “الشرعية الإنجازية” القائمة على نمو الناتج المحلي. فعندما تُفتح الأسواق الإيرانية أمام الاستثمارات العالمية، وتصبح الشركات الكبرى مدرجة في قوائم التداول، يتغير تعريف “الأمن القومي” ليصبح مرتبطاً بـ “الاستقرار المالي”.

​في تلك اللحظة، يتحول أي صاروخ يُطلق من جنوب لبنان إلى “خسارة سهمية” فورية في بورصة طهران، مما يخلق ضغطاً داخلياً من أصحاب المصالح الإيرانيين لحماية “رأس المال” بدلاً من “الشعار”. البورصة هنا هي “اللجام” التقني الذي سيقيد الاندفاع الأيديولوجي، لأن رأس المال بطبعه جبان، ولا ينمو إلا في بيئة تضمن تدفق السيولة بعيداً عن دوي الانفجارات. وهذا التحول يضع “حزب الله” أمام الاستحقاق الوجودي الأصعب؛ ففي زمن “الصفقة الكبرى”، يتحول فائض القوة العسكرية من أصل استراتيجي يستخدمه “الأصيل” للمساومة، إلى عبء سياسي يعيق اندماج ذلك “الأصيل” في العصر الجديد.

​حين تتصالح الرؤوس الكبيرة في واشنطن وطهران على قاعدة المصالح المتبادلة، تتبخر تدريجياً قيمة “الأدوات الوظيفية”. وإذا تحول المشغل الإيراني نحو “المنافسة السلمية”، سيجد الحزب نفسه وحيداً في ساحة لبنانية لم تعد مطلوبة دولياً كمنصة للضغط، وبسلاح لم يعد له وظيفة إقليمية يصرفها في السياسة الكبرى. هنا، لن يعود السؤال الكلاسيكي الذي رُدّد على مسامع البيئة الحاضنة: “كم صاروخاً نملك؟” هو المعيار، بل سيصبح السؤال الحارق: “ماذا فعلنا ببيئة جاعت وهي تنتظر انتصارات لم تترجم خبزاً في الأفران؟”.

​إن السيادة بمعناها الحديث في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على حماية الحدود الجغرافية بالبارود، بل تتجلى في القدرة على حماية “الحدود المالية” ومنع الانهيار المعيشي. والقوة التي لا تتحول إلى قيمة مضافة في حياة الناس، تنتهي حتماً بالتحول إلى عبء اجتماعي يلفظه حتى من غرسوه وسقوه بعرقهم ودمائهم. إن “الهندسة الإقليمية” الجاري تحضيرها تسحب البساط من تحت أقدام الذين رهنوا لبنان لـ “منطق الساحة”.

​فالكيان الذي أُجبر على العيش كـ “طفيلي” على هوامش الصراعات الإيرانية-الأميركية، سيجد نفسه عارياً في زمن “السلام البارد”، حيث أن تجفيف قنوات التمويل غير الرسمي—كشرط تقني لدمج إيران في النظام المالي العالمي—سيعني انفجار “اقتصاد الظل” الذي يعتاش عليه الحزب وبيئته. هذا المأزق يضع “حزب الله” أمام حائط مسدود: هل يستطيع العيش في “الضوء” المالي والقانوني؟ أم أن وجوده مرتبط ببقاء “العتمة”؟

​الشرق الأوسط يتغير بسرعة لا ترحم المتفرجين، والقطار الذي يقوده المنطق الرقمي وحسابات الربح والخسارة لن ينتظر أحداً على رصيف الأيديولوجيا. وعلى حزب الله أن يدرك أن “لبننة” حقيقية، والانخراط الكامل في منطق الدولة ومؤسساتها، هو طوق النجاة الوحيد له وللبلد. فالشرعية في المرحلة القادمة لن تكون لمن يملك القدرة على الردع العسكري فحسب، بل لمن يملك الرؤية والقدرة على إعادة بناء الثقة بالدولة كضامن للجميع.

​فالتاريخ يخبرنا أن المنظمات العقائدية لا تسقط دائماً بالهزيمة في ساحة المعركة، بل تسقط حين تصبح “تكلفتها” على مجتمعها وبيئتها أكبر بكثير من “فائدتها” الوجودية. إن ما نطرحه هو تحليل بارد للمسار الذي يسلكه الكبار؛ فنجاح “مقايضة البورصة بالثورة” هو المخرج العقلاني الوحيد لتجنيب لبنان مواجهة شاملة ومدمرة.

​عسى أن يكون في مراكز القرار، وفي “حارة حريك” تحديداً، من يقرأ الواقع بغير نظارات التعبئة العاطفية، وبغير أوهام “الساحات الموحدة” التي بدأت تتفكك لصالح “الأسواق الموحدة”. اليوم الذي سيصبح فيه سعر الصرف واستقرار السندات هو ساحة المواجهة الحقيقية قد اقترب جداً، وحينها لن تنفع الصواريخ في تثبيت ليرة واحدة، ولن تحمي الخطابات الرنانة وطناً يتسرب من بين أصابع أبنائه نحو المجهول.

​إنها لحظة الحقيقة لمن غرس السنديانة ومن سقاها: فإما أن نكون جزءاً من الهندسة الجديدة كدولة منتجة، أو نتحول إلى أنقاض تبكي أمجاداً ضاعت لأنها لم تفهم أن العالم لم يعد يدار من غرف العمليات، بل من غرف التداول وحسابات المصالح الكبرى التي لا تعترف بالدموع بل بالأرقام.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top