13 نيسان: «تنذكر وما تنعاد».. هل غادرتنا البوسطة ام سكنت فينا؟

بقلم الياس عيسى الياس

​في الثالث عشر من نيسان، لا نعود إلى الماضي لننبش الجراح أو نحصي ثقوب الرصاص التي خلفتها سنة 1975، بل لنقف أمام مرآة ذواتنا بصراحة شجاعة. إن ذكرى نيسان ليست مجرد طقس سنوي للحزن، بل هي مواجهة عارية مع وعينا الجريح؛ هي اللحظة التي أدركنا فيها بمرارة أن الوطن الذي لا يسوره وعي المواطنة، يظل بيتاً بلا أبواب، تستبيحه عواصف الغرباء وتعبث بمصيره رياح الآخرين.

​في تلك الساعة من ظهيرة نيسان، وبينما كانت بيروت تتهيأ للانفجار، كان والداي في مستشفى طرابلس يغالبان دموع الفرح ويحتفلان بمقدم أخي إلى الحياة. كانت صرخته الأولى في هدوء الشمال تعلن عن ميلاد جديد وحلم صغير، غير مدرك أن القدر كان ينسج في تلك اللحظة بالذات خيوط مأساة كبرى في “عين الرمانة”. هذه المفارقة الإنسانية تلخص الوجع اللبناني بمرارة: في اللحظة التي استقبل فيها والداي هبة الحياة، كانت “البوسطة” المشؤومة تعبر لتقسم التاريخ والوطن والقلوب، ليصبح يوم مولد أخي هو نفسه يوم انفجار الموت الذي لم يغادرنا منذ نصف قرن.

​عندما نعود اليوم لنتصفح تلك الدراسة التحليلية المفصلية التي نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية في ملحقها الأسبوعي (Le Monde Sélection hebdomadaire) بتاريخ الأول من أيلول عام 1976، تحت عنوان «لبنان في قلب العاصفة» (Le Liban au cœur de la tempête)، ندرك أن العالم كان يرقب انكسارنا بعيون تشريحية باردة. لم تكن دراسة “لوموند” مجرد تقرير صحفي، بل كانت مرآة قاسية وضعت أمامنا لنرى كيف أننا، وباسم الدفاع عن الوجود، كنا نمزق الكيان الذي يأوينا.

​الميثاق كفخ.. وسقوط “سويسرا الشرق”

​رأت الدراسة أن لبنان 1975-1976 كان ضحية لما أسمته «سوء تفاهم تاريخي». فالميثاق الذي تعاهد عليه اللبنانيون عام 1943 ظل ترتيباً لتوزيع الحصص والمغانم، دون أن يتحول إلى عقد اجتماعي حقيقي يربط المواطن بالدولة مباشرة دون وسيط طائفي. هذا الخلل جعل الدولة تفقد أبسط مقومات وجودها، وعلى رأسها «حصرية العنف المشروع».

​حللت “لوموند” كيف أن مفهوم “الدولة الملجأ” تهاوى ليحل محله مفهوم “الميليشيا الملجأ”. فعندما تسمح الدولة بتعدد السلاح وتوزيعه خارج كنف مؤسساتها الشرعية، فإنها توقّع صك انتحارها. لقد أثبتت تجربة نيسان أن غياب «حصرية السلاح» بيد الدولة هو الفتيل الذي ينتظر أول احتكاك لينفجر حرباً أهلية، حيث يتحول كل زقاق إلى جبهة، وكل عمارة إلى قلعة عسكرية.

​سوسيولوجيا البؤس وأحزمة الانفجار

​ذهبت الدراسة الفرنسية إلى أبعد من الصراع السياسي، لتسلط الضوء على “الاقتصاد السياسي للبؤس”. رأت “لوموند” أن النمو الاقتصادي المشوه الذي شهده لبنان في الستينيات ومطلع السبعينيات خلق فجوات طبقية هائلة. أحزمة البؤس المحيطة ببيروت لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل كانت “مخازن بارود” اجتماعية.

​لقد رأت الدراسة أن الحرب كانت، في أحد وجوهها، ثورة “الأطراف” على “المركز”، وانفجاراً للفئات التي شعرت أنها خارج جنة “سويسرا الشرق”. هذا البعد الطبقي، الذي غلّفته الشعارات الطائفية لاحقاً، كان المحرك الأساسي لاندفاع الشباب نحو السلاح بحثاً عن كرامة مفقودة أو عدالة غائبة، مما يؤكد أن الأمن الوطني لا يبدأ من فوهة البندقية، بل من رغيف الخبز وتكافؤ الفرص.

​اغتيال التعددية والفرز الجغرافي

​توقفت دراسة «لوموند» طويلاً عند ما أسمته «الفرز الديموغرافي القسري». اعتبرت الصحيفة أن هذا الفرز هو أخطر طعنة وُجهت لقلب الكيان اللبناني، لأنه عمد إلى «تطهير الذاكرة» من خلال تهجير السكان بناءً على انتماءاتهم الطائفية. رأت الصحيفة الفرنسية أن لبنان فقد في تلك اللحظة ميزته الكونية كملتقى للحضارات، وتحول إلى “غيتوات” متناحرة.

​هذا “الفرز” لم يكن جغرافياً فحسب، بل كان فرزاً للوعي. فكل منطقة باتت تملك إذاعتها، وصحافتها، وسرديتها الخاصة للحقائق، مما خلق قطيعة معرفية جعلت من الحوار مستحيلاً ومن الرصاص اللغة الوحيدة المتاحة. إن الدولة التي تتنازل عن «حصرية قرار الحرب والسلم» لصالح هذه الكيانات الصغرى، تضع مصير أبنائها في مهب الرياح الإقليمية التي لا ترحم.

​لبنان كـ “مختبر” لصراعات الآخرين

​الأمر الأكثر رعباً في دراسة “لوموند” كان وصفها للبنان بأنه تحول إلى “مختبر للشرق الأوسط الجديد”. حللت الدراسة كيف تداخلت القضية الفلسطينية بالصراعات العربية-العربية، وبالتجاذبات الدولية بدم بارد. وصفت الدراسة التدخلات الخارجية التي بدأت تترسخ في صيف 1976 بأنها «الوصاية المستحيلة» التي طُلبت لإنقاذ التوازن، لكنها انتهت بمصادرة القرار الوطني.

​هذا الارتهان للخارج كشف عن عجز النخبة السياسية اللبنانية عن اجتراح حلول داخلية، وفضلوا بدلاً من ذلك “تأجير” الساحة لقوى إقليمية ودولية. رأت “لوموند” أن اللبنانيين، في لحظة غياب العقل، سلموا مفاتيح بيتهم لمن يهمه حرق البيت لتسخين ملفاته الخارجية. إن نيسان 1975 كان صرخة احتضار لجمهورية فشلت في الحفاظ على مؤسساتها كمرجعية وحيدة للقوة والقانون.

​تحلل المؤسسات واختفاء “رجل الدولة”

​أشارت الدراسة أيضاً إلى ظاهرة “تحلل الإدارة” وتطييف الوظيفة العامة، مما جعل المواطن يفقد ثقته بالمؤسسة الرسمية ويلجأ إلى الزعيم أو الحزب طلباً للحماية أو الخدمة. هذا التآكل المؤسساتي سبق الرصاصة الأولى بسنوات، وكان هو “المرض الصامت” الذي جعل جسد الوطن قابلاً للاشتعال عند أول حادثة “بوسطة”.

​رأت “لوموند” أن غياب “رجل الدولة” الذي يقدم المصلحة العامة على الفئوية، أفسح المجال لظهور “أمراء الحرب” الذين وجدوا في الاستمرارية القتالية مصدراً للسلطة والثروة. وبذلك، تحولت الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى “نظام حياة” وقوة دفع ذاتية تتغذى على دماء الأبرياء.

القيامة تبدأ من “الحصريات الثلاث”

​اليوم، وبعد مرور نصف قرن، هل نجرؤ على سؤال أنفسنا: ماذا فعلنا بكل تلك الدروس؟ إن “تنذكر وما تنعاد” لا يجب أن تبقى مجرد تعويذة، بل يجب أن تتحول إلى فعل إرادة وطني يرتكز على ركائز ثلاث لا تقبل الشراكة: حصرية السلاح، وحصرية قرار الحرب والسلم، وحصرية العنف بيد الدولة.

​لكن، وكما تعلمنا من مرارة التجربة، فإن هذه الركائز لا تُفرض قسراً بالقوة المحضة، بل تُبنى من خلال عدالة اجتماعية شاملة وثقة متبادلة بين المكونات. يجب أن يشعر كل لبناني، من عكار إلى الناقورة، أن الدولة هي حصنه الأول، وهي المرجعية التي تحميه من غدر الزمان ومن طغيان الآخر. السيادة الحقيقية هي نتاج توافق وطني عميق يجعل من السلاح الشرعي خياراً طوعياً يحمي الجميع، لا أداة في يد فئة ضد أخرى.

​إن القيامة الحقيقية تبدأ باستعادة الدولة كحاضنة وحيدة وشرعية للقوة والقرار، مرتكزة على ميثاق جديد يقوم على المواطنة الفردية. يجب أن ندرك جميعاً أن الرصاصة التي تخرج خارج إطار الدولة تقتل الوطن قبل أن تقتل العدو. لعل ذكرى نيسان تكون دعوة لبناء وطن يليق بكل صرخة ولادة خرجت من مستشفى طرابلس في ذلك اليوم الدامي، ولنثبت أخيراً أننا قررنا أن نسكن في قلب الدولة القوية، العادلة، والآمنة، لا في قلب الصراعات المفتوحة على المجهول. إن “البوسطة” يجب أن تتوقف هنا، لتبدأ رحلة المواطن نحو غدٍ لا رصاص فيه ولا متاريس.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top