
بقلم الياس عيسى الياس
في القرن الرابع عشر، وتحديداً بين عامي 1309 و1377، لم تكن الكنيسة تواجه مجرد أزمة إدارية، بل كانت تخوض واحدة من أقسى تجاربها الوجودية فيما عُرف تاريخياً بـ “أسر أفينيون” أو “السبي البابوي”. بدأت الحكاية حين نجح الملك الفرنسي الطموح “فيليب الجميل” في تركيع السلطة الروحية، مجبراً البابوية على هجر قدسية روما وتاريخها، لتستقر في مدينة “أفينيون” الفرنسية. هناك، عاشت البابوية رهينة للمصالح القومية الضيقة للملكية الفرنسية، محاطة بجدران قصرها الباذخ الذي تحول، في جوهره، إلى سجن ذهبي.
لم يكن ذاك الانتقال الجغرافي مجرد تغيير في المقر، بل كان زلزالاً ضرب جوهر السلطة الروحية؛ إذ جُرِّدت البابوية من شموليتها الكونية لتصبح مجرد “صدى” لإرادة القوي، وأداة في يد التوسع الفرنسي. لقد فقد الضمير العالمي آنذاك بوصلته حين صار “خليفة بطرس” يتلقى إلهامه من أروقة السياسة الباريسية بدلاً من تعاليم الإنجيل الكونية. وهنا يبرز السؤال الملح: هل نعيش اليوم استنساخاً لهذا الأسر تحت مسميات جديدة؟
يبدو أن التاريخ قد سئم القراءة وقرر أن يعيد تمثيل فصوله الأكثر قتامة؛ ففي أروقة واشنطن الصاخبة، يُستحضر شبح أفينيون من جديد، لا ليسجن جسد البابا، بل ليحاصر قراره الأخلاقي. إن المحاولة الحالية لإخضاع الفاتيكان للمدار الأمريكي ليست سوى صياغة حديثة لذاك الأسر القديم، حيث يُطلب من السلطة الروحية مرة أخرى أن تتخلي عن “إنسانها العالمي” لتصبح مجرد برغي في آلة “الإمبراطورية” الجديدة.
ولم يتوقف هذا التهديد عند حدود التلميحات الدبلوماسية الباردة، بل تفجّر بوضوحٍ فجّ وصادم في الكلمات التي وجهها دونالد ترامب للبابا. فبلهجته التي لا تحتمل التأويل، وبمنطق التاجر الذي يرى الوجود صفقة، قال: “على الفاتيكان أن يدرك أن القوة التي تحمي العالم اليوم هي القوة الأمريكية، ولا مكان لمن يقف في طريق تأمين هذه الحماية. لقد خضع الباباوات في الماضي لإرادة الملوك العظام، وأفينيون شاهدة على أن الكنيسة لا تزدهر إلا حين تصطف مع القوة”.
في هذه اللحظة، لم يكن ترامب يخاطب “الحبر الأعظم” بصفته الروحية فحسب، بل كان يخاطب “ابن بلده”؛ فالمفارقة الكبرى أن الرجلين، ترامب ولاون الرابع عشر، خرجا من نفس التربة الأمريكية، ونبتت جذورهما في ذات الأرض التي تؤمن بالفعل والإنجاز. لكنهما، رغم وحدة المنشأ، افترقا في المسار؛ فبينما اختار ترامب القوة المادية سبيلاً للهيمنة، اختار لاون الرابع عشر القوة الروحية سبيلاً للتحرير، ليتحول اللقاء بين “الأخوين المفترضين” إلى مواجهة بين قطبين متنافرين حول معنى القيادة الأمريكية للعالم.
لقد توقف المراقبون طويلاً عند اختيار البابا لاسم “لاون” (Leo)، وهو اختيار لم يكن وليد الصدمة. ففي ذاكرة الكنيسة، يرتبط اسم لاون (خاصة لاون الكبير) بذاك البابا الذي وقف وحيداً، بلا جيوش، ليواجه “أتيلا الهوني” ملك البرابرة عند أسوار روما، مانعاً إياه من تدمير الحضارة.
باختياره هذا الاسم، كان البابا لاون الرابع عشر يعلن للعالم، ولواشنطن تحديداً، أنه لن يكون بابا السكون أو المهادنة، بل هو “أسد” يحرس الضمير الإنساني من “بربرية” القوة العارية التي لا ترحم.
وفي ظل هذه المواجهة، يُراد انتزاع القلب الكوني من البابا، وإجباره على مقايضة شموليته الأخلاقية بفتات “عقيدة دونرو”. هذه العقيدة التي ترفض الاعتراف بالعالم كـ “مجتمع” إنساني، بل تراه مجرد “ساحة” للصراع، تشرعن تحويل الأمن القومي إلى سيف مصلت يبيح التهديد بالدمار الشامل للبنى التحتية المدنية. لقد تجلى هذا المنطق في التهديد بمحو الجسور ومحطات الطاقة في إيران، واصفاً إياها بحضارة “ستمحى ولن تعود أبداً”، وكأن تاريخ الشعوب مجرد أرقام في معادلة ربح وخسارة إمبراطورية.
لكن رد لاون الرابع عشر جاء بصلابة “الأصالة الريفية” التي استمدها من نشأته في شيكاغو؛ تلك الصراحة العارية التي لا تعترف بزيف البروتوكولات. فبينما كان ترامب يهاجمه أمام الصحافيين واصفاً إياه بـ “الليبرالي للغاية” والمتهم بـ “ضعف الحزم تجاه الجريمة” و”التودد لدول نووية”، كان البابا يُرسخ منطقاً مغايراً. لقد رفض لاون الانزلاق إلى مستنقع “الجدال الشخصي”، مفضلاً معركة المبادئ، ومؤكداً بملء الفم: “رسالة الإنجيل يجب ألا يُساء استخدامها بالطريقة التي يفعلها البعض”.
لم يتراجع “الأسد” أمام تهويل القوة، بل رفع صوته في ذروة العاصفة ليقول: “سأواصل رفع صوتي عالياً ضد الحرب.. يجب على أحدهم أن يقف ويقول إن هناك طريقاً أفضل”. إن هذا الإصرار على تعزيز العلاقات متعددة الأطراف والحوار ليس “ليبرالية” ساذجة كما يدعي خصمه، بل هو إدراك عميق بأن القوة التي لا تضبطها الأخلاق هي قوة عمياء تقود العالم نحو الهاوية.
لقد تجلت ذروة هذا الصراع في القرار المؤلم للبابا بإلغاء زيارته للولايات المتحدة. فخلف الموقف الرسمي، يكمن وجع رجلٍ آثر “المقاومة الأخلاقية” على حنينه الشخصي لمسقط رأسه، مفضلاً أن يظل “صوتاً صارخاً في البرية” على أن يمنح شرعية روحية لمن يحولون المقدسات إلى وقود للنزاعات. إن رفضه الخضوع لـ “عقيدة دونرو” هو في جوهره دفاع عن “الإنسان” الذي يتجاوز بكرامته حدود القوميات والخرائط العسكرية.
نحن نعيش اليوم صداماً بين ثقافتين: ثقافة “الإخضاع” التي ترى في الآخر عدواً يجب سحقه، وثقافة “الشركة” التي يمثلها البابا لاون الرابع عشر وترى في الآخر شريكاً في الكرامة. وبالنسبة لنا، نحن الذين نعيش وسط حطام الوعود، لا يبدو موقف البابا مجرد مناورة، بل هو بصيص أمل بأن الضمير لا يُباع ولا يُشترى. إنه الانتصار الذي ننتظره جميعاً، مؤكدين للعالم أن القوة مهما بلغت، لا يمكنها سحق روح الإنسان؛ فالكلمة الأخيرة في هذا الوجود ليست للسلاح، بل للإنسان الذي يجرؤ على قول “لا” في وجه الظلم، مستنداً إلى “إنجيل” لا يُجير لصالح العروش، وبصيرة ترفض أن تُسجن في أفينيون العصر الحديث.
