حين تقتل طهران في زمن السلم

بقلم الياس عيسى الياس

يستند هذا المقال في فكرته ومعلوماته بالكامل إلى ما ورد في مقال الكاتبة كاثرين إليسون، الحائزة على جائزة بوليتزر، والمنشور في صحيفة واشنطن بوست، بتاريخ 19 نيسان 2026، تحت عنوان “The myth of an ‘emboldened’ Iran” (أسطورة إيران “الجريئة”).

​إليكم عرضاً مفصلاً لما كتبته إليسون:

​تفتح الكاتبة كاثرين إليسون في مقالها بـ “واشنطن بوست” ملفاً دامياً من ملفات التاريخ التي لا تموت، وهو تفجير مركز الجالية اليهودية (AMIA) في بوينس آيرس عام 1994. إليسون تنقل لنا مأساة المهندس المعماري أندريس مالامود، الذي قُتل وهو في السابعة والثلاثين من عمره أثناء إشرافه على ترميم المبنى، وتصفه الكاتبة بأنه كان مجرد “هدف سهل” في حملة الإرهاب العالمية الطويلة التي تقودها إيران.

والواقع يا سادة، أن “الأهداف السهلة” في عُرف هذا النظام هم دائماً الأبرياء الذين لا ناقة لهم في “الثورات” ولا جمل.
​وتسرد إليسون تفاصيل مروعة عن ذاك اليوم؛ فتقول إن شاحنة مفخخة حصدت أرواح 85 مدنياً، بينهم فتاة في التاسعة عشرة كانت في طريقها للتسجيل بالجامعة، وخياط يبلغ من العمر 73 عاماً يبحث عن عمل، وصبي لم يتجاوز الخامسة كان يسير مع والدته بالقرب من المكان. وتؤكد الكاتبة، استناداً إلى السلطات الأمريكية والأرجنتينية، أن جماعة “حزب الله” هي من نفذت الهجوم بتوجيه ودعم مباشر من راعيتها إيران.

وهنا تضع إليسون إصبعها على الجرح حين تتساءل بتهكم مرير: بينما يحذر المحللون اليوم من “جرأة” النظام الإيراني، كم يمكن أن يصبح نظامٌ ما أكثر جرأة من نظامٍ مستعد لقتل الأبرياء في زمن السلم وعلى بُعد 8,500 ميل؟ يبدو أن البعض في واشنطن غارقون في “شبر مية” ويحتاجون لدروس في الجغرافيا والتاريخ معاً.

​وفي سياق كشف الحقائق، تنقل إليسون أن مدعياً عاماً في الأرجنتين طلب مؤخراً لوائح اتهام ضد 10 مشتبه بهم، بينهم أحمد وحيدي القائد في الحرس الثوري، وسلمان رؤوف سلمان المسؤول في حزب الله، ومحسن رباني المسؤول السابق في السفارة الإيرانية. وتكشف الكاتبة عن شهادة منشق إيراني تؤكد أن المسؤولين في طهران اختاروا مبنى (AMIA) من “قائمة أهداف” خلال اجتماع عُقد في مدينة مشهد عام 1993.

والأنكى من ذلك، كما تلاحظ إليسون، أن هؤلاء المتهمين لا يرتدون بدلات السجن، بل يشغلون اليوم مناصب رسمية في إيران، وكأن الجريمة العابرة للحدود أصبحت بنداً مكملاً للسيرة الذاتية للمسؤول الناجح في طهران، حيث يُكافأ القاتل بمنصب “وزير” أو “مستشار”.

​وتتوقف الكاتبة عند مأساة “الإفلات من العقاب”؛ فتنقل عن أرملة مالامود قولها بمرارة إن هناك “32 عاماً من الإفلات الكامل من العقاب”. وتشير إليسون إلى مقتل المدعي العام ألبرتو نيسمان عام 2015 قبل شهادته عن تورط إيران في التستر على القضية، وكيف انتهت التحقيقات إلى طريق مسدود بسبب الفساد وسوء الإدارة.

والحقيقة التي تبرز من بين سطور إليسون هي أن العدالة الدولية تبدو أحياناً “عرجاء” حين تتعلق الأمور بأنظمة تحترف الترهيب والإنكار، أو حين تصبح المصالح السياسية أغلى من دماء الضحايا.

​وتذكر إليسون القارئ بأن سياسة إيران في دعم “الوكلاء” والإنكار تعود لثورة 1979، وتشمل تفجير بيروت 1983 وهجمات العراق. والواقع أننا في لبنان نعرف جيداً معنى هذه “الوكالة”، فلطالما كان بلدنا الساحة الأولى والساخنة لدفع أثمان هذه السياسات، وتحويل مدننا إلى صناديق بريد لرسائل طهران الدموية.

وتلفت الكاتبة إلى أن قادة إيران اليوم يبدون أكثر “عسكرة” من أي وقت مضى، فهم منغمسون في ثقافة ترى أن النظام في حالة صراع وجودي مع “النظام الدولي” ككل، ومستعدون للتضحية في سبيل ذلك العداء المتجذر.

​وتختتم الكاتبة رؤيتها بالتحذير من الرهان على “الهدنة الهشة”؛ فهي لا تقلق من زيادة تشدد إيران بسبب الضغوط الخارجية، بل يقلقها أن “قدرة” النظام على التنفيذ هي ما يتغير، أما “نواياها” فثابتة لا تتبدل منذ عقود. وتؤكد إليسون أن إيران لم تكن بحاجة يوماً لحرب لتبرير أفعالها الإرهابية عبر العالم، وهو ما يعكس قناعة بأن العنف لدى هذا النظام هو “الأصل” وليس الاستثناء.

​الخلاصة من مقال إليسون هي أننا أمام عقيدة لا يحدها منطق السلم ولا بُعد المسافات، ونظام يعتبر المسافة بين طهران وبوينس آيرس مجرد مساحة لنقل المتفجرات. والضحية دائماً هو الإنسان البسيط الذي يدفع ثمن طموحات “ثورية” عابرة للقارات. مأساة الأرجنتين ستظل وصمة عار في جبين العالم، طالما ظل القتلة والمخططون يشغلون المكاتب الوثيرة في طهران بدلاً من غرف التحقيق الدولية، وطالما بقي الضمير العالمي يغمض عيناً ويفتح أخرى حسب هوى السياسة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top