كأس “المفاوضات” المر .. وكأس”الحرب” الأمر !!

بقلم خالد صالح

تقول الرواية، أن جدّة ذهبت لزيارة منزل ابنها، فلاحظت الجدة أن حفيدتها منهكة ومشتتة الذهن، فسألتها ما بالك يا صغيرتي؟، فردت الحفيدة، آه يا جدتي، مرهقة نفسيًا وجسديًا من مكان عملي .. فهمهمت الجدة وقالت : عليك إذن أن تقرري .. متى تقفزين ؟ ..
استغربت الحفيدة من كلام الجدة، وقالت بدهشة : أقفز !!، حينها تابعت الجدة : ضعي “ضفدعًا” في وعاء مليء بالماء وابدأي بتسخين الماء تدريجيًا، ستجدين أن الضفدع يحاولُ جاهدًا أن يتكيّف مع ارتفاع درجة حرارة الماء التدريجي بضبط درجة حرارة جسمه معها، وسيستمر بفعل ذلك حتى يقترب الماء من درجة الغليان، هنا سيعجز الضفدع عن التكيّف مع الوضع هذه المرة، لذا يُقرر في هذه اللحظة القفز خارج الإناء، يُحاول القفز ولكن دون جدوى لأنه فقد كلّ قوته خلال عملية التأقلم مع درجة حرارة الماء المرتفعة، سيغرق حينها في الماء المغلي وسرعان مايموت.
ماالذي قتل الضفدع؟، سألت الجدة .. أجابت الحفيدة : الماء المغلي هو الذي قتله ..
أجابت الجدة: الماء بريءٌ يا حبيبتي، ما قتله كان عدم قدرته اتخاذ قرار القفز في الوقت المناسب !!..

قرار القفز

كلنا بحاجة إلى التكيّف مع الناس ومختلف الأوضاع، لكننا بحاجة أكثر إلى معرفة متى نحتاج إلى التأقلم ؟ وإلى أي درجة ؟ ومتى نحتاج إلى مواجهة الوضع واتخاذ الاجراء أو القرار المناسب ؟..
إذا سمحنا للناس أو للظروف باستغلالنا سياسيًا أو اجتماعيًا وحتى جسديًا أو عقليًا أو عاطفيًا أو ماليًا سيستمر ذلك إلى أن يقضي علينا، حينها يجب علينا أن نُقرر متى نقفز قبل أن تخور قوانا ونتلاشى ..
أمّا وقد صارت “المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية” واقعًا لايمكن تجاوزه، بعد أن ساقنا “حزب الله” إلى المفاضلة بين “المرّ والأمرّ”، نتيجة حروبه التي انكشف زيفها أنها لأجل لبنان، وبات رأس “لبنان” بين مقصلة الحرب المدمرة التي لم تترك بشرًا وشجرًا وحجرا، وكأس المفاوضات “العلقم” الذي لم يكن يريده، إلا حين تلاشت من أمامه كل الخيارات..
هنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال الأساس، ماذا لو رفض لبنان الذهاب إلى المفاوضات المباشرة؟ وماذا لو رفض العدو الاسرائيلي ربط الملف اللبناني بملف إيران، واستمرّ في جرائمه البربرية بحق لبنان وأهله؟، هل يمكن لهذا البلد “المنكوب” من كل الجوانب أن يصمد؟، هل يمكنه البقاء أسير ما يريده “حزب الله” من تبعية عمياء لمحور ما استجلب على لبنان والمنطقة إلا الدمار ؟. أم عليه أن يُقرر القفز في الوقت المناسب ؟..
أيضًا يقفز إلى رأسنا سؤال آخر، ماهي الخيارات المتاحة أمامنا في الوقت الراهن؟، المنطقة برمّتها تسير نحو تبدّل جذريّ في مشهديتها، السياسية والاقتصادية، حتى ضاقت علينا كل الحلول والخيارات، لذلك فإن “المفاوضات” هي الخيار الأوحد أمامنا، وكما وصفها الرئيس جوزاف عون “الديبلوماسية حرب من دون دماء”، وتعتبر وجهًا من وجوه الحلول الممكنة، فالأمر لايمكن أن يكون “عنزة ولو طارت” ..

أحلاهما مر

ارتأت الدولة اللبنانية خيار “الكأس المر” كي تتجنّب ارتشاف “الكأس الأمر” أكثر فأكثر، ووضعت لمسار المفاوضات عناوين واضحة وثابتة، وللمصادفة هي العناوين نفسها التي حددها أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، لكن الخلاف القائم حول “الوسيلة”، ولطالما عبّر لبنان عن موقفه من السلام مع العدو الاسرائيلي بأنه سيكون الدولة العربية الأخيرة التي توقّع سلامًا مع إسرائيل، لكن الظروف الحالية فرضت عليه اتخاذ “قرار القفز” من “مرجل الموت” قبل أن تصل الأمور إلى درجة الغليان، وتصبح العودة مستحيلة .
لكن المفارقة، المضحكة – المبكية في آن، أن حزب الله وعبر جوقة من قياديه ومن الاعلاميين بدأ بتوصيف مؤسسات الدولة اللبنانية بـ “سلطة الاحتلال”، واضعًا شرط “التوافق الداخلي” أساسًا للشروع بالمفاوضات، رغم عشرات القرارات الأحادية التي جرّ البلاد والعباد عليها من دون أدنى توافق داخلي حولها، في صورة نستعيد من خلالها عبارة “ما لكم لي ولكم، وما لي ليس لكم”، أو يحاول أن يستعيد لغة “الأمر لي” في زمن الوصايات، وهو ما رفضته الدولة اللبنانية التي اتخذت “قرار القفز” و “قرار المواجهة”، فالأثمان رغم شدّتها لكنها أقل من أثمان الموت والدمار والاحتلال .
مفاوضات اليوم تكتسي واقعًا مغايرًا، نظرًا للظروف الكارثية التي يعيشها لبنان، هذا القرار لايخضع للقوانين المتعارف عليها بين الدول في هكذا ظروف، هنا تتداخل فيها ظروف داخلية مؤثرة بشدّة، منها الرافض ومنها الداعم، ومنها التعقيدات الأيديولوجية والارتهانات للأجندات الخارجية، ومنها التباينات المخيفة في المواقف اللبنانية حيالها، لأن رؤية العدو المرتبطة بطروحاته الاستراتيجية يفوق حجم آفاقها وتداعياتها قدرة هذا البلد على استيعابها وتحمّل نتائجها ..
المفاوضات المباشرة لم تكن خيارًا من جملة خيارات كانت على الطاولة اللبنانية، بل كانت “الوجه الآخر” للحرب المجرمة والمدمرة، صحيح أنه ثمة تحدّيات كثيرة تواجهها، خصوصًا في الداخل وما تتعرض له من ضغوط هائلة، لكن السير بمفاوضات “منتجة” وقابلة للحياة وتحقيق كل الأهداف الموضوعة، يبقى خيارًا أقل كلفة، بشريًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وعليه يبقى تمسّك الديبلوماسية اللبنانية بالأهداف الرئيسية الورقة الأقوى التي يعوّل عليها ..
“قرار القفز” في الوقت المناسب أفضل بكثير من “العناد” المودي إلى الموت !!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top