طرابلس: حين تبتلع “المسافة” الدولة

بقلم الياس عيسى الياس

​لا تهدف هذه المقالة لمجرد سرد وقائع تاريخية لمدينة طرابلس، بل تسعى لاستكشاف ما يمكن تسميته “بالانفصام” بين المدينة والمركز. إن الغاية هنا هي فهم كيف يؤدي فشل المؤسسات في دمج الأطراف إلى نشوء “ولاءات بديلة”. حين تضعف قبضة الدولة العادلة، يبرز ما يسمى بـ “الأنوميا”؛ وهي حالة من التيه تصيب المجتمع حين يفقد الفرد شعوره بالانتماء للوطن، وتتحول “المسافة” من مجرد كيلومترات تفصل المدن إلى فجوة سحيقة تبتلع حقوق المواطنة.

​لطالما سألتُ نفسي، وأنا أراقب شريط الأحداث اللبناني الطويل، لماذا اختارت الأقدار لمدينة مثل طرابلس أن تظل دائماً “خارج النص” الرسمي؟ الحقيقة هي أن طرابلس كانت الضحية الأولى لفشل الدولة في تحقيق “احتكار العنف المشروع”. حين تفشل الدولة في فرض سلطتها كأداة وحيدة للحماية، تنكفئ الجماعات نحو شرعيات محلية، وهذا تماماً ما حدث في طرابلس الستينيات؛ حيث لم يكن السلاح مجرد أداة قتال، بل صار هويةً لمدينة شعرت باليتم.

​لقد دفعني لنبش هذه الأوراق حديثٌ جمعني بصديقٍ طرابلسي، مهندسٍ كبيرٍ قال لي بمرارة: “يا صديقي، في طرابلس هدموا قناطر الثقة قبل أن يهدموا الحجر”. كلماتُه تختصر كل شيء؛ فالدولة التي لا تقدم تنمية، تفقد في نظر مواطنيها مبرر وجودها الأخلاقي، وتتحول إلى مجرد “جهاز إكراه” لا يملك من الهيبة إلا الرصاص. وفي زاروب ضيق في “التبانة”، لا تسأل الناس اليوم عن هيبة الدولة، بل اسألهم عمن يحلّ مكانها حين يحتاجون لرغيف خبز أو حماية زقاق.

​في هذا الفراغ، برز أحمد قدور. لم يكن قدور مجرد “قبضاي” بالمعنى التقليدي، بل كان “سلطة كاريزمية” موازية. كان يتجول في الأسواق كمن يمنح المدينة صوتاً سلبته منها بيروت. وحين حاصرت المجنزرات أحياء طرابلس في 15 كانون الثاني 1975 لاعتقاله، وتحولت الزواريب إلى متاريس مشتعلة، كانت الدولة تحاول استعادة احتكار العنف بالقوة، لكنها واجهت “الكاريزما” بالرصاص بدل أن تستوعب أسباب بروزها، فعمّقت الجرح بدلاً من علاجه.

​أما فاروق المقدم، فكان يمثل وجهاً آخر من وجوه الصراع. حين اعتلى ورجاله أسوار “قلعة طرابلس” الأثرية في 24 تشرين الأول 1969، لم يكن المشهد مجرد شغب، بل كان لحظة رمزية قاسية. كانت القلعة تصرخ بوجه بيروت: “نحن هنا”. كان المقدم يحاول تحويل الغضب العفوي إلى فعل سياسي، مدركاً أن الدولة التي لا ترى طرابلس إلا من خلال المنظار الأمني هي دولة فقدت روحها.

​إن معضلة طرابلس تكمن في “جغرافيا الإهمال”؛ حيث تحوّلت أحياء كاملة إلى مساحات منسية خلف جدران “المسافة”. هذا الحرمان المزمن خلق ما يشبه “العقاب السوسيولوجي” لمدينة رفضت التدجين السياسي، واستبدل الثقة بالدولة بثقة في “رجل الحي القوي”. لقد تحول هذا الصدام إلى “ذاكرة جمعية” مثقلة بالارتياب؛ ذاكرة يتوارثها الأبناء عن الآباء بعبارة شعبية واحدة تختصر الموقف: “الدولة ما بتجي إلا بالكبسات”.

​اليوم، لا تزال طرابلس تعاني من ذلك “الاغتراب”. وما نراه من اضطرابات ليس إلا تكراراً لسيناريو غياب “الدولة المؤسساتية”. إن العبرة التي يهمس بها التاريخ هي أن المجتمع يشبه الكائن الحي؛ إذا عُزلت إحدى أعضائه، اختل توازن الجسد كله.

​ختاماً، إن طرابلس ليست “مشكلة أمنية”، بل هي “أزمة شرعية” مزمنة. إن “المسافة” لم تكن يوماً جغرافيا، بل كانت قراراً سياسياً صامتاً بالإقصاء. وإذا أراد لبنان أن يتعافى، فعليه أن يدرك أن ردم الفجوة لا يكون بالوعود، بل بـ “عقلانية تنموية” تعيد طرابلس إلى قلب الجسد الوطني. ما لم يحل “القانون العادل” محل “السلاح البديل”، ستظل طرابلس الرئة التي يتنفس منها لبنان وجعه، والقلعة التي تخبرنا كل يوم: أن الدولة التي تبتلعها “المسافة” عمداً، سيكتبها التاريخ كحاشية.. ثم يطويها حتماً.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top