بوكر القيامة: هل يملك ترامب”فيشات” اللعب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

بقلم الياس عيسى الياس

قراءة استقصائية في رؤية الكاتب توماس فريدمان، المنشورة في صحيفة “نيويورك تايمز” بتاريخ 1 أيار 2026 تحت عنوان: “ترامب هو من لا يملك الأوراق على طاولة البوكر”.

​بين “تروما” الرهانات الخاسرة في واشنطن، و”فنتازيا” القوة التي تعيشها طهران، يطل علينا توماس فريدمان ببرود أعصابه المعهود ليخبرنا أن العالم الذي نعرفه قد انتهى، وأننا بصدد الجلوس إلى طاولة بوكر لا يوزع فيها الأوراق بشر، بل خوارزميات صماء لا ترحم.

يفتتح الكاتب مشهده بتساؤل ساخر ومرير، ينم عن رغبة في استكشاف دهاليز السلطة التي يبدو أنها تائهة في ترجمة لغة العصر:
“هل يمكن لأحد أن يخبرني متى تُقام سهرة البوكر القادمة في البيت الأبيض؟ لأنني أرغب حقاً في الحصول على مقعد هناك!”

فمن الواضح أن المقامرة السياسية بلغت حداً من العبث جعل “خبير الصفقات” ترامب يوزع الاتهامات يميناً ويساراً بأن خصومه “لا يملكون أوراقاً”، بينما الحقيقة هي أن الطاولة نفسها قد تبخرت وتحولت إلى سحابة رقمية عابرة للحدود.

​يبدو الرئيس دونالد ترامب في هذا المشهد وكأنه يحاول تطبيق قوانين الفيزياء الكلاسيكية على عالم الكم؛ فهو يعتمد على ركائز الردع الأميركي التقليدي وهي ركائز لا تزال تملك أنياباً اقتصادية وعسكرية قادرة على سحق دول لكن المشكلة تكمن في أن “الأوراق” الرابحة لم تعد تُقاس حصراً ببراميل النفط أو أسراب الطائرات. إيران، رغم حصارها، لا تزال صامدة لأن القوة انتقلت من مفهوم “الدمار الشامل” إلى “التعطيل الشامل”.

طهران تراهن بذكاء على لقب بدأ يلتصق بترامب كظله وهو: “TACO: Trump Always Caves Overall”، وترجمتها الحرفية: “ترامب يتراجع دائماً في نهاية المطاف”. هذا الصمود ليس معجزة تقنية، بل هو نتاج زواج خطير بين التكنولوجيا الرخيصة والهشاشة العالمية؛ فأن تضطر إسرائيل لاستخدام صاروخ “باتريوت” بأربعة ملايين دولار لإسقاط “مواسير” طائرة، هو استنزاف استراتيجي يجعل التفوق التقليدي يبدو أحياناً كعبء مالي ثقيل أمام فاعلين صغار يتقنون فن “التدمير بحد أدنى من الكلفة”.

​ومع ذلك، لا يكتفي فريدمان بجلد الذات الغربية، بل يحذر من قفزة مرعبة من “عصر المعلومات” إلى “عصر الذكاء”.
الخطر الحقيقي هنا ليس في الآلة بحد ذاتها، بل في كونها أصبحت “مُضخماً” مرعباً للنوازع البشرية القديمة؛ فالذكاء الاصطناعي يمنح “الإنسان المذعور” أو “الشعبوي المهووس” قدرات كانت حكراً على الجيوش الكبرى. بفضل نماذج مثل “Mythos” و”GPT-5.4-Cyber”، لم يعد الخطر مجرد ثغرة تقنية، بل هو تحول حضاري يضع أدوات القيامة في يد الفرد.

المثال الذي ساقه فريدمان عن عالم الأحياء الذي وجد روبوت دردشة يشرح له كيفية تعديل جرثومة لتصبح مقاومة للعلاج، هو التحذير النهائي من أننا أمام “سيولة في القوة” تقودها أيديولوجيات بشرية متطرفة متسلحة بعقول اصطناعية، مما قد ينهي اللعبة قبل أن يستوعب اللاعبون القدامى قواعدها الجديدة.

​يصل فريدمان إلى استنتاج حتمي: لا بديل عن تعاون “الديناصورات” (أميركا والصين) لمواجهة هذه الفوضى العابرة للقارات؛ فالتنافس الاستراتيجي التقليدي أصبح يواجه سرعة انتشار لا ترحم وتغذيها فوضى نفسية وأيديولوجية عالمية.

تماماً كما فرض الرعب النووي “تعايشاً إجبارياً” في الماضي، يفرض الذكاء الاصطناعي اليوم وضع قواعد اشتباك صارمة.

في نهاية المطاف، تبدو طاولة البوكر التي يتوق فريدمان للجلوس إليها وكأنها أثر من عصر منقرض؛ فالقوة الحقيقية لم تعد تكمن في حجم القبضة فقط، بل في القدرة على استباق خوارزمية قد تعيد توزيع موازين القوة العالمية بالكامل، قبل أن يدرك السياسيون المنشغلون بحبس أنفاس بعضهم البعض أن قواعد اللعبة قد تغيّرت إلى الأبد بفعل أدوات ذكاء اصطناعي حررت أسوأ ما في طموحاتنا البشرية المكبوتة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top