بقلم الياس عيسى الياس

​كان محمد الماغوط يقول بحسه الساخر والمرير: “كلما شاهدتُ مسؤولاً يصافح مسؤولاً، أهرع فوراً لتفقّد وطني.. وأتحسس رأسي وجيوبي”.

اليوم، لم يعد القلق على الجيوب مجرد استعارة شعرية، بل صار جوهر السياسة الدولية في زمن “الدولة-الشركة”؛ حيث تذوب هيبة العواصم في مكاتب الاستشارات المالية، وتُقرأ خريطة العالم بمساطر المهندسين لا ببوصلة السياسيين.

فما يقوده اليوم الثنائي جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، بتكليف من دونالد ترامب، ليس مجرد سياسة خارجية، بل هو إعلان عن ولاية “دبلوماسية المقاول”؛ حيث يُقاس الاستقرار بمؤشرات الربح، وتتحول الأزمات الجيوسياسية إلى فرص استثمارية تُتداول في كواليس المصالح الكبرى.

​هذا النهج يرى في حطام المدن وجراح الشعوب من الشرق الأوسط وصولاً إلى أوكرانيا مساحات تنتظر “إعادة الهيكلة”. المدافعون عن هذا الطرح يرون فيه مخرجاً واقعياً بعدما أخفقت الدبلوماسية التقليدية في فك عقد الحروب المزمنة.

المنطق هنا بسيط: المصالح المادية المتبادلة هي “الرابط” الذي سيكبّل المدافع. لكن المشكلة تكمن في أن هذا المنطق يضع سيادة الأوطان في مواجهة مباشرة مع “دفتر شروط” المستثمر، لتصبح الكلمة العليا لمن يملك القدرة التمويلية، لا لمن يملك الحق التاريخي.

​ولعل قصة “فندق روزفلت” في نيويورك تختصر المشهد. فهذا العقار العريق المملوك للدولة الباكستانية، تحول من عبء مالي إلى جزء من مقايضة سياسية معقدة؛ فبينما كانت إسلام آباد تلعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، كانت الكواليس تخطط لتحويل العقار إلى مشروع استثماري بمليارات الدولارات.
هنا، تماهت مصلحة الدولة بمصلحة المطور العقاري، وأصبح ثمن الوساطة السياسية يُدفع عبر “تسييل الأصول” بدلاً من الحلول الدبلوماسية المستدامة التي تحفظ كرامة المؤسسات.

​الأمر لم يتوقف عند العقارات، بل امتد إلى “العملات الرقمية” التي دخلت على خط النفوذ الدولي. التمويل لم يعد يمر حصراً عبر القنوات التقليدية، بل عبر محافظ رقمية وشركات “كريبتو” مرتبطة بدوائر القرار، وتتلقى استثمارات ضخمة من دول هي نفسها طرف في مفاوضات السلام.

هذا التدفق المالي يضمن “ليونة” في المواقف السياسية بعيداً عن رقابة المؤسسات الدولية. وحتى في أوكرانيا، تبرز مشاريع لتحويل مناطق النزاع إلى مراكز بيانات عملاقة، في عملية تشبه إعادة توزيع الحصص تحت غطاء إعادة الإعمار، وقبل أن تضع الحرب أوزارها.

​نحن أمام عملية “خصخصة” للأزمات؛ فالحرب لم تعد مأساة إنسانية بقدر ما هي “مشروع متعثر” يحتاج إلى إدارة استحواذ.

قد ينجح هذا النموذج في تحريك المياه الراكدة بفضل إغراءات “كعكة الإعمار”، لكن خطورته تكمن في الاكتفاء بمسح الغبار عن وجه النزاع دون معالجة أسبابه البنيوية.

إن “سلام المقاولين” يضعنا أمام مقايضة صعبة؛ فبينما يفتح أبواب النمو، فإنه يهدد بتحويل مفهوم الوطن إلى عقار في محفظة استثمارية دولية، حيث تسقط السيادة أمام لغة الأرقام.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top