بقلم الياس عيسى الياس

​«كان ذلك أفضلَ الأزمنة، وكان ذلك أسوأَ الأزمنة؛ كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة؛ كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود؛ كان زمن النور، وكان زمن الظلمة؛ كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط؛ كان أمامنا كل شيء، ولم يكن أمامنا شيء».

هكذا افتتح تشارلز ديكنز رائعته “قصة مدينتين”، مؤرخاً للتناقض الصارخ بين أحلام التغيير وكوابيس الفوضى. وربما لا تختصر عبارةٌ مأساة لبنان اليوم كما تختصرها هذه المفارقة؛ فنحن نعيش في وطن يمتلك كل مقومات النهوض، لكنه يُساق نحو حافة الانتحار الجماعي، وكأننا مدينتان في جسد واحد:
مدينة تطمح لأن تكون دولة قانون، ومدينة لا تجد مبرراً لوجودها إلا في “الساحة” المفتوحة على صراعات الآخرين.

​من الناحية الواقعية، السيادة ليست ترفاً فكرياً، بل هي المبدأ الوجودي الذي يمنع ذوبان الكيانات. إن الفارق كبير بين “الردع” كاستراتيجية وطنية تقررها المؤسسات، وبين “الارتهان” كواقع تُفرضه حسابات عابرة للحدود. فالدولة التي تجد نفسها غائبة عن مفاوضات تقرير مصير قراها ومياهها، أو تجد حدودها مستباحة لتهريب الأرزاق والقرار على السواء، هي دولة في حالة “غيبوبة سيادية”. في الحالة الأولى تكون الدولة هي القائد، وفي الثانية تكون هي الضحية الأولى لنتائج حروب لم تكن شريكاً في إعلانها.

​لا يمكن لدولة أن تحترم نفسها وهي تترك قرار مصير أبنائها لغرف عمليات عابرة للحدود. هذه الحقيقة تظهر بجلاء في عجز المؤسسات عن اتخاذ أبسط القرارات السيادية لحماية اللبنانيين من الانهيار، لأن القرار المركزي معطل بانتظار “إشارة” من الخارج. إن مصادرة قرار الحرب والسلم ليست فعلاً بطولياً، بل هي إلغاء لفكرة الوطن. فلا يمكن لرب عائلة أن يخطط لمستقبل أولاده وهو لا يعرف متى تُفتح فوق رأسه جبهة، أو متى تُغلق في وجهه أبواب العمل والحياة بسبب خيارات لم يستشر فيها.

​ومن هنا، يبرز القرار الدولي 1701 كدرع حماية أخير، لا كقيد مكبل. إن جوهر هذا القرار ببساطة هو التأكيد على حصر السلاح والسيادة في منطقة جنوب الليطاني بيد الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”، لضمان ألا يتحول الجنوب إلى وقود دائم للحرائق الإقليمية. الدبلوماسية هنا ليست لغة الضعفاء، بل هي لغة الدولة التي تعرف أن فائض القوة خارج الشرعية لا يبني وطناً، بل يهدم بيوتاً فوق رؤوس أصحابها. إن من يستخفون بمنطق القانون الدولي يدفعون لبنان نحو عزلة قاتلة، ويحولونه من “رسالة” حضارية إلى مجرد “جبهة إسناد” تُقايض بها القوى الكبرى في تسوياتها.

​أما المؤسسة العسكرية، فهي التجسيد المادي الوحيد لهذا المبدأ السيادي. إن حصر سلطة السلاح والقرار في يد الجيش هو المسار الوحيد الذي يحمي لبنان من التحول إلى غابة من السلاح المتفلت، أو “صندوق بريد” لرسائل الآخرين. وأي محاولة لفرض “ازدواجية سلاح” هي طعنة في جوهر العيش المشترك، واعتراف صريح بالرغبة في إبقاء الدولة كسيحة بلا هيبة.

​يا شباب لبنان، إن الدولة القوية القادرة هي حقكم الطبيعي وليست منّة من أحد. المطلوب منكم اليوم هو الانتقال من الرفض الصامت إلى الفعل السياسي: قاوموا لغة التخوين بالوعي القانوني، واجعلوا من “استعادة القرار الوطني” معياركم الوحيد في المساءلة والمحاسبة والضغط الشعبي. إن الوفاء للشهداء يكون ببناء وطن يحترم الأحياء، وطن يملك قراره، يحمي حدوده، ويفرض هيبته على كامل ترابه.

​لقد آن الأوان ليعلو منطق الدولة فوق صراخ الساحات. إن عهدنا هو أن يبقى لبنان أولاً، وطناً حراً، سيداً، ومستقلاً. كفانا مغامرات؛ نريد للبنان أن يعيش، وللدولة أن تسود، وللسيادة أن تكون هي الكلمة الأولى والأخيرة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top