
بقلم الياس عيسى الياس
ستة وعشرون عاماً على انطواء القرن العشرين، وثمانية عشر عاماً على ذلك المنعطف الذي أطبق فيه “السلك” على عنق “الميثاق”، وما زلنا في لبنان نقتات على فتات المعنى، تائهين في برزخ لا هو بالدولة ولا هو بالعدم. إن استحضار مشهد السابع من أيار ٢٠٠٨ ليس مجرد نبشٍ في ذاكرة الصدام، بل هو تشريح للعلّة التي جعلت من الكيان اللبناني مساحة جغرافية تُدار بـ “سيادة بديلة” لا تمر عبر عصب الدولة المركزي.
بدأت الفصول في الخامس من أيار، حين اتخذت الحكومة قرارين بملاحقة شبكة اتصالات خاصة وإقالة مسؤول أمن المطار؛ وهي خطوة رأت فيها السلطة التنفيذية آنذاك واجباً لاستعادة هيبة الدولة وبسط سلطتها على مرافقها السيادية. وفي المقابل، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الثامن من أيار ليعبر عن وجهة نظر الفريق الآخر، واصفاً تلك القرارات بأنها “إعلان حرب” تهدف إلى كشف ظهر المقاومة وضرب منظومتها الأمنية في عز صراعها الإقليمي. هذا التناقض الحاد بين منطق “أمن المقاومة” ومنطق “سيادة الدولة” فجر الميدان في سبعة أيار، وأطلق مرحلة جديدة انتهت بـ “اتفاق الدوحة” الذي كرس مفهوم “الثلث المعطل”، محاولاً مأسسة الخلاف تحت سقف المشاركة القسرية.
إن لبنان، في جوهره التاريخي، هو “كلمة” و”حرية”؛ بلدٌ لا يستمد شرعيته من حجم ترسانته، بل من قدرته على أن يكون ساحة للحقوق والقانون. وحين يحل “النحاس السلكي” محل “العقل الميثاقي”، فإننا نفقد العلة الوجودية لهذا الوطن. لا يمكن لبلد أن يزعم السيادة وهو يضم في أحشائه نظامين للاتصال ونظامين للأمن؛ فهذا التوازي، وإن رآه البعض ضرورة تقنية لحماية خيارات عسكرية في سياق صراعات كبرى، إلا أنه في العمق التاريخي شكل تأسيساً لواقع يضع “الأمن الخاص” فوق “السلم العام”، ويجعل من الكابلات السرية مرجعية تتقدم على العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة. ومنذ ذلك المنعطف، طرأ تحول جذري على السؤال اللبناني؛ لم يعد التساؤل “متى نتحرر من الأطماع الخارجية؟”، بل أصبح السؤال المرير: “متى يقرر السلاح أن هذه الحكومة، أو ذاك القاضي، غير شرعيين؟”.
هذا هو السؤال الذي قتل الثقة.
فالثقة لا تُبنى على تسويات قسرية تفرضها موازين القوى، بل على اليقين بأن القانون فوق الجميع، وبأن الدولة هي الملاذ الذي يستوعب هواجس الجميع ومخاوفهم. وحين يصبح السلاح هو “الناخب الأكبر” في الاستحقاقات الدستورية، تصبح الدولة مجرد هيكل شكلي في حقل من الألغام. إن انعدام الثقة الذي بدأ بشرارة أيار ٢٠٠٨ تحول اليوم إلى جدار عازل بين لبنان والعالم، وبين اللبنانيين ومستقبلهم. بيروت، التي أريد لها أن تكون منارة للحريات، اهتزت هيبتها حين استُخدمت شوارعها لإثبات “فائض القوة”، والرهان على أن الزمن سيمحو هذه الذاكرة هو رهان خاسر، فالسيادة لا تُجزأ، وإما أن تكون الدولة هي المرجع الأخير، وإما أننا نكرس “غابة” يلتهم فيها القوي الضعيف تحت مسميات براقة.
المخرج من هذا النفق لا يكون بالمساومات التي تزيد تآكل المؤسسات، بل بالاعتراف المتبادل بالهواجس؛ فمن حق الدولة أن تكتمل سيادتها، ومن حق المواطنين أن يشعروا بالأمان في وطنهم، لكن هذا “الأمان” لا يمكن أن يتحقق على أنقاض الدستور. إننا مدعوون اليوم إلى وقفة مع الذات: هل نريد لبنان “محطة تقوية” لمشاريع تتجاوز حدوده، أم نريده “وطناً نهائياً” يقدس قانونَهُ؟
ويبقى السؤال الأكبر والمؤلم الذي يتردد في أزقة بيروت وجبال الجبل وقرى الجنوب: هل نتعلم نحن اللبنانيين من تاريخنا؟ أم أننا محكومون بتكرار الصدام في كل مرة نصطدم فيها بجدار “الأمن الموازي”؟ إن التاريخ يعلمنا أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تبني وطناً مستقراً إذا غابت عنه عدالة المؤسسات وثقة الشركاء. فهل ننتظر زلزالاً جديداً لنكتشف أن خلاصنا الوحيد هو في الانضواء جميعاً تحت سقف الدولة، الدولة التي تحمي الجميع بقوتها الشرعية وحدها، ولا ترهن قرارها السيادي لأي حسابات خارج ميثاقها؟ إن العودة إلى التاريخ ليست للنكء في الجراح، بل لاستخلاص العبرة الوحيدة: لا بقاء للبنان بأسلاك مقطوعة عن قلب الدولة، ولا كرامة لأحد في وطن معلق أبداً على حافة الانفجار.
