
بقلم عيسى الياس عيسى
بينما يغرق العالم في صخب الأرقام والآثار التقنية للذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال يمسّ شغاف الروح: هل ستقود هذه الآلات إلى جفاف الينابيع الغيبية في داخلنا، أم أنها ستدفعنا، من حيث لا ندري، إلى بحث أعمق عن سر الوجود؟
تضعنا المفارقة المعاصرة أمام مشهد مهيب؛ حيث نرى عقولاً نذرت نفسها للمادية الصرفة تقع في حالة من “الرهبة” أمام محاورات آلية متطورة. ولعل المثال الأبرز هو ذلك الاندهاش الذي أصاب مفكرين كباراً عُرفوا بصلابتهم العلمية، حين وجدوا أنفسهم ينسون، في غمرة الحوار مع الآلة، أنهم يواجهون خوارزمية صماء، فيسقطون في فخ إضفاء “الوعي” على “الكود”. هذا الذهول ليس مجرد هفوة تقنية، بل هو اعتراف ضمني بأن في أعماق الإنسان حنيناً لا ينطفئ للقاء “آخر” يفهمه، حتى لو كان هذا الآخر وهماً رقمياً.
هذا الحنين نراه بوضوح في المقاهي والشوارع؛ في عيني ذاك الشاب الذي يجلس وحيداً، مطرقاً في هاتفه لساعات، لا بحثاً عن معلومة جافة، بل طمعاً في رفيق افتراضي يملأ عليه وحشته. إننا أمام هروب جماعي من عزلة الواقع إلى “دفء مزيف” توفره الشاشات، وكأننا نبحث في السيليكون عن تلك الطمأنينة التي عجزنا عن منحها لبعضنا البعض.
لقد كشف انبهار العقول الكبيرة بالآلة هشاشتنا جميعاً؛ فنحن نُسقط صفة الروح على كل ما يتصرف بدفء مصطنع. وحين تقول الآلة لكاتب أو عالم إن سؤاله هو “الأدق على الإطلاق”، فإنها لا تمارس ذكاءً، بل تمارس مرآة تعكس لنا صورتنا التي نحب أن نراها. إن خطر التقدم ليس في قوة الآلة، بل في رغبتنا الدفينة في بناء “أصنام حديثة” تمنحنا أجوبة جاهزة تريحنا من عناء التفكير وقلق الحرية.
وهنا تنفتح أمامنا القراءة الحقيقية للوعي. فإذا كانت الآلة قادرة على إنجاز أعقد المهام الرياضية والمنطقية دون أن تملك ذرة من “وعي ذاتي”، فما الغاية من هذا الوعي الذي يسكننا؟ إن قدرتنا على التألم، وعلى تذوق الجمال، وعلى الشعور بـ “الأنا”، هي الدليل الصارخ على أن الإنسان ليس مجرد “آلة بيولوجية” متطورة، بل هو كائن يحمل في ثناياه سراً يتجاوز المادة.
إن ما يثير القلق هو استسلامنا التدريجي لسلطة الخوارزمية كمرجع أخلاقي، وكأننا نشهد ولادة “كهنة جدد” يرتدون ثوب البرمجة. هذا التفويض الطوعي يعكس خوفنا من مسؤولية الوعي؛ فنحن نهرب من “الشك” الذي هو جوهر الإيمان والحرية، إلى “يقين الحسابات” الذي هو سجن الروح. إن الآلة، مهما بلغت فصاحتها، تظل عاجزة عن فهم معنى “الدمعة” أو سر “النشوة” التي لا تخضع لمنطق؛ لأنها تملك الأجوبة، لكنها لا تملك القدرة على طرح الأسئلة الوجودية التي تنبع من المعاناة والحب.
إننا نعيش اغتراباً روحياً، حيث يطرح الجيل الجديد تساؤلاته على الشاشة لا على الحكماء، ليس طلباً للحقيقة، بل هرباً من “الصمت” الذي يواجهنا في لحظات السكون. نحن نملأ فراغنا بالضجيج الرقمي لأننا نخشى أن نكتشف، حين ينطفئ نور الشاشة، أننا وحيدون أمام لغز الوجود.
في نهاية المطاف، قد لا يكون الذكاء الاصطناعي تهديداً للروحانية بقدر ما هو “مرآة” تكشف لنا عمق حاجتنا إلى المتسامي. فإذا استطاعت آلة أن تُربك عقلاً مادياً، فذلك لا يثبت ذكاءها، بل يثبت أن حاجتنا للارتباط بشيء يتجاوز حدود الحواس هي حاجة متجذرة لا يمحوها المنطق الجاف. إننا اليوم أمام خيار حاسم: إما أن نستسلم لمادية تحولنا إلى كائنات مبرمجة، أو نعيد اكتشاف الوعي بوصفه هبة مقدسة لم نفهم سرها بالكامل بعد.
