
بقلم خالد صالح
منذ فجر التاريخ، والبشر لا يتغيرون، ما إن يختلف معهم أحد أو يخرج من صفوفهم حتى يسارعوا إلى إلصاق التهم به، وكأنهم أوصياء على النوايا، يتحدثون عن “غرضٍ في نفسه”، وكأنّهم قرأوا ما في صدره، فيشيعون حوله الشكوك، ويحرّضون عليه أتباعهم، يزرعون فيهم الكراهية ليُخمدوا أي صوتٍ يفضح زيفهم.
لكن الحقيقة أنّهم هم من في صدورهم الأغراض، وهم من يخفون وراء شعاراتهم نوايا لا تُحمد، يتقنون فنّ القذف بالباطل لأنهم يخشون المواجهة، ويشيّدون أبراجهم من الأكاذيب كي يخفوا هشاشتهم.
فمن يقلب عليهم لا يفعل ذلك طمعًا، بل اشمئزازًا من خديعتهم، ومن يختار الابتعاد لا يهرب، بل ينجو من مستنقعٍ امتلأ بالرياء والادعاء، اتهموا من شئتم، لكن سيأتي يوم، تَسقط فيه الأقنعة كلها، وتبقى الحقيقة وحدها عارية، شاهدةً عليكم وعلى جريمتكم الكبرى التي ارتكبتموها بحق لبنان وأهله ..
البؤس السياسي
الـ 10452 كلم مربعًا هي الخديعة التي تحوّلت اليوم إلى “بؤس سياسي”، وطبقًا للمثل الشعبي الدارج “الناس بالناس والقطة بالأنفاس”، يحاولون طمس الوقائع وتزييفها بـ “البهتان”، ويصورون “الهزيمة انتصارًا” بـ “الخديعة”، يمارسون الكذب بصورة تبعث على الدهشة، فهل من مصدّق بعد اليوم لهذه الأضاليل ؟ ..
إن “البؤس السياسي” ليس مجرد مصطلح يصف تعثر السياسات الاقتصادية أو الإدارية، بل هو في جوهره أزمة أخلاقية ومعرفية عميقة تصيب فئة “ضلّت” طريق الوطنية حين تفقد بوصلة التواصل مع الواقع، لتجد نفسها محاصرة في لحظة فارقة حين تقرر، بإرادتها أو بغرورها، أن تحوّل آذانها إلى جدران صماء لا ينفذ منها صوت الشارع ..
لايزال “حزب الله” يمارس بـ “شوفانية” بغيضة كل ترّهات “البؤس السياسي”، لا بل بلغ الأمر به حتى حدود ممارسة “البؤس الاجتماعي”، رافضًا بصورة فجّة التعامل مع الواقع القائم كما هو محاولًا طمس الحقيقية التي بلغت منتهاها، “جنوب الليطاني” صار تحت نير الاحتلال، فهل هذا مايريده “حزب الله” ليحافظ على وجوده كـ “مقاومة” بأن يستجلب الاحتلال إلى أرضنا من جديد؟ .. فعليًا هذه أعلى مراتب “البؤس” في التفكير قاطبة .
يغرق “حزب الله” في فقاعات من المديح المصطنع الذي ينسجه حوله المستفيدون والأذناب والمجموعة التي انفصلت عن الواقع، مما يجعلهم يرون في صرخة الشارع مجرد ضجيج لا قيمة له أو “تآمر” خارجي يهدد استقرارهم، غافلين عن حقيقة أن هذه الأصوات هي تغذية راجعة لا غنى عنها لتصحيح المسار.
نكران الحقيقة
ومن هنا ينبع أخطر ملامح هذا “البؤس”؛ وهو الافتراض الضمني بأن المواطن كائن ساذج لا يرى، لا يفهم، ولا يتذكر .. يمارس “حزب الله” دوره وكأنه على خشبة مسرح، متوهمًا أن الجمهور في الأسفل مجرد مشاهد صامت، متناسيًا أنه شريك ومراقب دقيق لكل حركة وتغير في المواقف.
في عصر المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي، لم تعد الحقائق حكرًا على أحد؛ فحين يتظاهر “حزب الله” بأن المعركة هي من أجل لبنان، تسقط إدعاءاته فورًا، لأن قرار إدارته اليوم بأيدي “الحرس الثوري”، وما عادت علمية التلطي خلف هذه الشعارات نافعة، يدرك لأن الناس صارت تُدرك الحقائق كما هي من دون أصباغ، فالمواطن اليوم لا ينتظر تصريحات الحزب الرسمية، بل يعيش الواقع ويسجل التناقضات بدقة.
الذاكرة المتقدة
إن المراهنة على نسيان الناس تعد خطأً فادحًا، إذ يمتلك الشارع ذاكرة تراكمية؛ متقدة، تحفظ التفاصيل بكل دقة، فعناوين “التحرير والمقاومة” ونحن على أبواب ذكراها السادسة والعشرين سقطت نهائيًا.. لأن التناقضات بين الأقوال والأفعال تُحفظ، وأدّت بشكل قطعي إلى فقدان الثقة بها، وهو أمر لا يمكن ترميمه بالخطابات الرنانة أو الوعود المؤجلة أو الإطلالات الإعلامية الجوفاء ..
هذا الرهان “الأجوف” الذي يمارسه “حزب الله” مستندًا إلى “سردية” فارغة المضمون، يدفع بالمجتمع قاطبة نحو العدمية السياسية، حيث يتحوّل المواطن من شريك فاعل إلى مراقب محبط، بينما يعيش الحزب وقادته خلف “حجاب الممانعة” معزولًا عن نبض الواقع، حتى يجد نفسه مندهشًا من غضب الشارع الذي كان يظنه صامتاً أو راضياً…
إن الممارسة السياسية النبيلة لا تكمن في إقناع الناس بما لا يصدقونه، ولا في فرض الصمت وترهيب من يرفضون الزيف، بل تتجلى في القدرة على الإنصات واحترام ذكاء المواطنين وتقبل الانتقادات، فـ “حزب الله” لا يمتلك الحقيقة المطلقة، بل هو مجرد أداة في أيدي مشغليه، و”البؤس السياسي” الذي يلعب أدواره ما هو إلا خيار اتخذه الأولياء في طهران، بينما يدفع لبنان بـ “أمه وأبيه” نتائج خيارات “الحزب بالقول “سمعا وطاعة” ..
