حين تحتاج الأم إلى إذن الأب لفتح حسابٍ لطفلها! كيف التفّ اللبنانيون على المنظومة الطائفية عبر بوابة المال؟

بقلم الياس عيسى الياس

 هل جربتِ يوماً، كأم لبنانية، أن تدخلي مصرفاً وبيدك مبلغ جمعتِهِ من تعبك الخاص وشقاكِ اليومي، لتفتحي حساباً صغيراً تدخرين فيه قروشاً بيضاء لتعليم طفلك أو لتأمين غده الأسود؟ في تلك اللحظة, لا يهم إن كنتِ أنتِ من يعيل البيت من ألفه إلى يائه، ولا يهم إن كان الأب غائباً خلف البحار، أومسافراً، أو غير مبالٍ بلقمة عيش أولاده.
 
ينظر إليكِ الموظف خلف مكتبه الزجاجي ببرود روتيني قاتل ليقول: “عذراً يامدام، نريد توقيع الوالد وحضوره شخصياً”. في تلك الثانية، يصفعك الواقع المرّ؛ ففي نظر القوانين السائدة، أنتِ مجرد عابرة سبيل عاطفية في حياة طفلك، بينما الأب، وإن كان غائباً، هو صاحب الحق المطلق تحت مسمى”الولاية الجبرية”. 

 
هذه المفارقة السريالية التي طالما قهرت النساء في لبنان، تلقت أخيراً ضربةغير متوقعة من مكان لم يكن أحد ينتظره. إعلام مصرف لبنان رقم 979، الصادر عن حاكمه الأستاذ كريم سعيد، جاء ليحدث خرقاً في هذا الجدارالسميك.
 
واللافت هنا أن الحاكم لم يصدر “تعميماً” يحتاج لتعقيدات المجلس المركزي وتجاذباته، بل اختار سلاح “الإعلام” الإداري المباشر ليذكّر المصارف بآلية”الذمة الائتمانية” النافذة قانوناً، ويلزمها بتفعيلها فوراً لتهيئة الأرضية للأمكـ”منشئ” للحساب، وتعيين طفلها القاصر كـ”مستفيد”، مما يمنحها سلطةإدارته سحباً وإيداعاً باستقلالية تامة ودون حاجة لوسيط.
 
خطوة تبدو في ظاهرها مجرد معاملة بنكية، لكنها في العمق اعتراف متأخر بأهليّة الأم، وتطرح سؤالاً بديهياً: لماذا احتجنا أصلاً إلى “حيلة مصرفية” والتفافة مالية معقدة لنيل حق إنساني بسيط كهذا؟
 
 
الحقيقة المضحكة المبكية في خبايا هذا الملف، أن هذا الحق ليس وليد اليوم. جمعية المصارف اللبنانية كانت قد أصدرت تعميماً يحمل الرقم 305 منذ عام2009 يتيح هذا الإجراء بحذافيره، لكنه نام نوماً عميقاً في أدراج البنوك لخمسة عشر عاماً متواصلة.
 
لِمَ استيقظ الآن وفُعِّل في هذا التوقيت بالذات؟ الإجابة تكمن في جهود الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية التي نفضت الغبار عن النص المنسي وضغطت بقوة لتنفيذه، بالتوازي مع اقتراح قانون صاغته النائبة الدكتورة عناية عز الدين وأقرته لجنة المرأة والطفل النيابية عام 2020، ولكنه – كالعادةاللبنانية الراسخة في دفن القوانين الإصلاحية – رقد بسلام في مقبرة أدراج لجنة الإدارة والعدل حتى يومنا هذا.
 
 
هذا الالتفاف الذكي يكشف كيف تُدار المعارك الحقوقية في بلدنا؛ فعندما تعجز عن اقتحام حصون التشريع الطائفي من الباب العريض، تأتيك الحقوق تسللاً من الأبواب المدنية الجانبية.
 
مصرف لبنان يعرف تماماً أنه لا يملك الصلاحية الدستورية لإلغاء أو تعديل”الولاية الجبرية” المكرسة في قوانين الأحوال الشخصية لثماني عشرة طائفة، والمساس بامتيازات المحاكم الدينية الروحية والشرعية في لبنان هو انتحار سياسي محتم. لذلك، تم تخطي العقبة بالذهاب إلى “قانون التجارةالمدني”. 
 
قيل للمنظومة الطائفية بوضوح غير معلن: احتفظوا برعايتكم الروحية وسلطتكم على النفوس، ودعوا لنا إدارة الأموال وحركة الحسابات. والأخطرمن كل ذلك، أن القرار الجديد حصّن الحساب في المستقبل؛ ففي حال وفاة الأم أو فقدانها الأهلية، يُمنع الأب تماماً من وضع يده على هذه المدخرات إلابإذن قضائي مشروط من المحكمة المدنية المختصة. 
 
وكموظف مصرفي واجهت على مدار سنوات طوال انكسار أمهات أتين لحماية جنى عمرهن المخصص للأولاد، واضطررت إلى ردّهن خائبات التزاماً بنصوص القانون البليد، أعرف بدقة حجم المعاناة خلف هذه الجدران.
 
أعرف أن هذا القرار يضع حداً لقرصنة ونكايات زوجية طالما دفع الأطفال ثمنها؛ فكم من امرأة مطلقة استيقظت لتجد أن الأب دخل الفرع المصرفي وبموجب ولايته الجبرية قام بتصفير حسابات أطفاله قانونياً، ونقل الأموال إلى مكان آخر لمجرد الانتقام من طليقته.
 
 
لكن، ورغم شدة الترحيب، دعونا لا نغرق في تفاؤل حالم. تعاميم المصارف وإعلاماتها في لبنان، كما علمنا التاريخ القريب والتجارب المرة، تولد بقرار فردي وتموت بقرار آخر، وهي تبقى دوماً رهن بمزاج الحاكم وتبدل السياسات النقدية والمصالح الفئوية.
 
هذا المنجز الإيجابي سيبقى عاجزاً ومشلولاً ويفتقد للأمان القانوني المستدام ما لم يتحرك البرلمان اللبناني فوراً لإخراج قانون عام 2020 من غيبوبته، وإقرار التعديل بشكل دائم ونهائي في صلب… قانون التجارة ليصبح نصاً غير قابل للطعن أو التراجع.
 
هل ستتحرك اللجان النيابية المعنية لإخراج القانون من مقبرة الأدراج وتثبيت هذا الحق؟ الأيام والشهور المقبلة كفيلة بالإجابة، ولكن حتى ذلك الحين، لايجب على الأمهات الانتظار.
 
على كل أم لبنانية مقيمة أو مغتربة أن تتوجه فوراً إلى المصارف وتنتزع هذا الحق المكتسب بيديها، في وجه منظومة تشريعية وسياسية ما زالت ترى في الأم مجرد حضانة عاطفية لتربية الأولاد، وتحرمها بدم بارد حق التوقيع على غدهم ومستقبلهم المالي.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top