
بقلم الياس عيسى الياس
في لبنان لا منتخب لنا في المونديال. فنختار واحداً ونتبناه كما يُتبنى الأبناء— إلى الأبد. أنا اخترت البرازيل، أو ربما ورثتها. منذ طفولتي كان المونديال يعني السامبا والفرح وكرة القدم التي تُكتب بالأقدام الحافية. لهذا، كان يفترض أن يكون حديثي اليوم، ونحن على مسافة ساعات من ضربة البداية للمونديال الكبير، عن فينيسيوس جونيور وسحر الهجوم البرازيلي. لكن السياسة أبت، وجاءت بي إلى قصة مختلفة تماماً. قصة تُطرد فيها البراءة علناً من الملاعب لتتسلل حسابات القوة المجردة.
البطولة تنطلق غداً، في الحادي عشر من حزيران، بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. لا تبدو المناسبة مجرد عرس كروي انتظرتها لملايين؛ بل جبهة سياسية مفتوحة تديرها واشنطن من خلف الأبواب الموصدة، لتضع شرعية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومواثيقه التاريخية على المحك أمام سطوة دولة لا ترى في الرياضة سوى مساحة إضافية لتصفية الحسابات.
رحلة المنتخب الإيراني إلى هذه البطولة تختصر القصة كلها. إنها قصة تحول اللعبة من استحقاق في الميدان إلى معركة في دهاليز الأمن.
الأزمة بدأت خلف الكواليس. قادها رجل الأعمال الإيطالي-الأمريكي باولو زامبولي، المقرب من دونالد ترامب، حيث ضغط بشراسة لإقصاء إيران واستبدالها بإيطاليا — التي فشلت كروياً في التصفيات من الأساس — متذرعاً بالعقوبات الدولية. هذا هو منطق “الصفقة” في أبشع صوره: إلغاء نتائج المستطيل الأخضر بقرار سياسي فوقي. ورغم أن رئيس الاتحاد الإيراني، مهدي تاج، خاض مواجهة ديبلوماسية حادة للدفاع عن فريقه، ورغم رفض الفيفا مقترح الإقصاء علناً، إلا أن الارتباك اللوجستي على الأرض كشف الحقيقة العارية للضغوط الأمريكية.
هنا بدأت العرقلة الفعلية؛ واشنطن شددت إجراءات منح التأشيرات ببرود بيروقراطي، فأُجبر الفريق الإيراني على نقل معسكره الإعدادي من توكسونفي أريزونا إلى تيخوانا المكسيكية. هكذا ببساطة، رُمي بالفريق خلف الحدود. وفي وقت كان فيه اللاعبون يتصببون عرقاً في معسكر أنطاليا التركية وعيونهم شاخصة نحو بوابات السفارات، وصلت الأمور بوزير الرياضة الإيراني في مارس الماضي حدّ اليأس، معلناً أن المشاركة باتت مستحيلة، قبل أن يقرر الاتحاد الصمود والمواجهة.
هذا التخبط ليس مصادفة، بل سياسة ممنهجة تفرض نظاماً طبقياً داخل المونديال. خذ مثلاً دولاً متأهلة بجدارة مثل إيران، وهايتي، والسنغال، وساحل العاج؛ شعوبها واجهت قيود سفر مشددة من إدارة ترامب. النتيجة مقززة: يُسمح للاعبين بالدخول بموجب جوازات رياضية مشروطة ومراقبة، بينما تُحرم الجماهير تماماً من مساندة فرقها في المدرجات. أين ذهبت شعارات الشمولية والوحدة الثقافية التي يتغنى بها الفيفا؟ تبخرت عند أول حاجز تفتيش أمريكي.
أمام هذه السطوة، بدا الاتحاد الدولي مستسلماً تماماً، بل يسعى إلى الاسترضاء السياسي. الفضيحة الأكبر تجلت في استحداث الفيفا “جائزةالسلام – كرة القدم توحد العالم”، ومنح نسختها الأولى للرئيس دونالد ترامب شخصياً في مركز جون كينيدي بواشنطن. خطوة كارثية فجرت غضباً حقوقياً واسعاً، ودفعت منظمات دولية لرفع دعاوى أمام لجنة الأخلاقيات في الفيفا لخرق بند الحياد السياسي. كانت الجائزة، باختصار، مكافأة ديبلوماسية مقابل غض الطرف عن قيود السفر، والسكوت عن رفض واشنطن تقديم ضمانات مكتوبة تمنع عملاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرةالأمريكية (ICE) من ملاحقة الجماهير حول الملاعب.
يوم الجمعة الماضي، انقشع جزء من الغموض؛ أصدرت واشنطن التأشيرات للفريق الإيراني في الرمق الأخير. لكن هذا الإفراج المتأخر لا يلغي السؤال الجوهري والمخزي: لماذا يضطر منتخب متأهل بقوة القانون الرياضي إلى الاستجداء الديبلوماسي أمام بوابات مسيّسة؟
عشية الانطلاق، كان يفترض أن يدور حديثنا عن تكتيكات المدربين وجاذبية”السامبا”. لكن الواقع يفرض نفسه؛ اللاعبون الإيرانيون الذين عبروا الحدود من تيخوانا ودخلوا الأراضي الأمريكية أخيراً، يحملون حقائبهم بيد وتأشيراتهم المنهكة باليد الأخرى.
وصلوا أخيراً. لكن الجرح في جسد اللعبة سيبقى مفتوحاً وينزف مع أول صافرة تنطلق في ملاعب صارت أرضاً للنفوذ قبل أن تكون أرضاً للعبة. أنا الذي اخترت البرازيل لأن لبنان لا يلعب، أجد نفسي اليوم أفكر في هؤلاء اللاعبين المنهكين؛ وربما هذا ما تفعله كرة القدم الحقيقية حين لا تُلوَّث بالسياسة — تجعلك تشجع من لا تعرف، وتحزن على من لم تخترهم.
