مع طهران.. التوقيع ليس النهاية

بقلم الياس عيسى الياس

مشهد غريب شهدته “إيفيان”. رئيس أميركي يلوح بورقة تفاهم فضفاضة أمام الكاميرات في استعراض سريع، باحثاً عن إنجاز سياسي عاجل يهدئ به أسواق النفط ومخاوف مضيق هرمز، ويناور به الحلفاء الأوروبيين. لكن العبرة دائماً في المسافة بين الكلام والواقع. بالنظر إلى الأسقف المرتفعة التي حددتها واشنطن قبل أشهر، يبدو التراجع واضحاً؛ الوعود الكبرى بتفكيك ترسانة طهران العسكرية تبخرت، وحلت مكانها صيغة ملتبسة لاحتواء أزمة ساهمت الحسابات الأميركية نفسها في تعقيدها. إنهاالبراغماتية الانتخابية المجردة حين تطيح بالشعارات الرنانة. وفي التاريخ القريب ما يكفي من الدروس، من منشأة “فوردو” عام 2009، إلى طبخة سلطنة عمان في 2011 التي أنتجت اتفاق جنيف المؤقت، وصولاً إلى اتفاق فيينا 2015 الذي حبس العالم أنفاسه لولادته. كل تلك المحطات كانت تلمع في الإعلام كإنجازات تاريخية، قبل أن تسقطها التفاصيل التقنية. المصافحات سهلة ويتقنها الجميع، أما جداول العقوبات والرقابة، فهنا كالمقبرة الحقيقية للاتفاقات التي نعرفها وخبرناها جيداً في هذه المنطقة.

اليوم، تبدو جنيف على بعد خطوة واحدة. من المفترض أن يوقع نائب الرئيس الأميركي فانس المذكرة الرسمية نهاية الأسبوع. خطوة أولى، لكنها مجرد شارة انطلاق لمهلة ستين يوماً من المفاوضات الفنية الشاقة حول الملف النووي والأموال المجمدة. هذا إن وصلنا إلى هناك أصلاً دون مفاجآت ميدانية تفجر الطاولة برمتها. وفيما تغيب إسرائيل علناً عن المشهد، سارع بنيامين نتنياهو إلى صياغة موافقته المشروطة بخطوط حمراء واضحة. السؤال الحقيقي هنا: هل تصمد أعصاب تل أبيب طوال الستين يوماً المقبلة إذا شعرت أن الشياطين الكامنة في تفاصيل جنيف تمس أمنها المباشر؟ الأرجح أن اللعب بالنار لن يتوقف.

أما في طهران، فالصورة سريالية تماماً. الماكينة الرسمية والمجلس الأعلى للأمن القومي يسوقان الاتفاق كـ”انتصار كامل”، وضجت الشاشات بعبارة واحدة مفادها أن أميركا أُجبرت على التراجع. البروباغندا هناك تريد إقناع الجميع بأن القيادة فرضت شروطها الأخيرة ولم تتفاوض من موقع ضعف، غير أن الشارع الإيراني لا يصفق؛ فالاحتجاجات التي شهدتها طهران ومشهد أمام مقار وزارة الخارجية تكشف حجم الشرخ المكتوم. صقور “جبهة بايداري” المتشددة يرون في الاتفاق مصيدة دبلوماسية؛ كيف يتنازل المفاوض عن ورقة إغلاق مضيق هرمز مجاناً لتأمين الملاحة الدولية قبل رفع العقوبات فعلياً؟ وأين بند التعويضات عن خسائر الحرب؟ الدخول في مهلة الستين يوماً بلا ورقة المضيق هو انتحار سياسي بنظرهم. وعلى الرصيف الشعبي المثقل بالتضخم، يبدو هذا التفاهم مجرد انتصار حزين ومكلف لدرجة تشبه الهزيمة. دفع الناس كلفة هائلة من دمائهم واقتصادهم ليعود النظام في النهاية إلى نقطة الصفر ويفاوض على ورقة نيات لا تسمن ولا تغني من جوع.

في وسط هذا الكباش، نجد أنفسنا في لبنان، كالعادة، مجرد ورقة في مهب الريح. التفاهم الأميركي-الإيراني يتحدث عن وقف شامل للعمليات على جميع الجبهات بما فيها ساحتنا اللبنانية، ولكن الأوقح من ذلك أن إسرائيل أبلغت واشنطن صراحة أنها ليست ملزمة بالانسحاب من الجنوب بموجب هذا الاتفاق. هذه هي معضلتنا التاريخية المقيمة؛ بلدنا يُذكر اسمه في نصوص الكبار، ويغيب رجاله عن طاولة القرار، ولا نملك أي ضامن دولي لتطبيق ما يخصنا. تحركات ببعبدا والسرايا تبدو كمحاولة يائسة لإنقاذ مايمكن إنقاذه؛ الرئيس جوزيف عون يتلقف الإعلان أملاً بالاستقرار، ورئيس الحكومة نواف سلام يجهد في واشنطن لتأمين انسحاب كامل. محاولات منسقة، نعم، لكنها تواجه واقعاً مريراً: كنا دائماً مجرد ترمومتر يقيس حرارة صراعات الآخرين، ندفع الثمن عند الانفجار، ونُستبعد عند التسوية. وها نحن نكرر التجربة الآن بكلفة أكبر.

في واشنطن نفسها، الانقسام حاد ويعكس عمق الشرخ الداخلي، في مشهد يدعو للسخرية فعلاً. جماعة البيت الأبيض يستميتون للدفاع عن هذاالمسار باعتباره الخيار الواقعي الوحيد لحماية الملاحة البحرية، وتفادي جنون أسعار النفط الذي قد يحرق أصابعهم في صناديق الاقتراع. في المقابل، يشن صقور الكونغرس الجمهوريون هجوماً لاذعاً يلتقي، للمفارقة، مع هواجس متشددي طهران؛ بالنسبة إليهم، ترامب يمنح الإيرانيين وقتاً مجانياً ويفرج عن أصولهم دون تنازلات أمنية حقيقية. إنها المفارقة الأميركية المعتادة: إدارة تفكر بأسعار البنزين ومحطات الوقود، وكونغرس مسكون بهواجس نفوذ الخصوم الأيديولوجيين. ومع تهديد المشرعين بإخضاع أي اتفاق نهائي لمراجعة صارمة، قد يسقط التفاهم تشريعياً في الكابيتول قبل أن ينضج دبلوماسياً في سويسرا.

الامتحان الفعلي لن يكون في صالونات “إيفيان” ولا أمام الكاميرات، بل في مدى قدرة هذا الحبر الفضفاض على الصمود أمام مصالح إقليمية متفجرةوشديدة التعقيد. التاريخ يعلّمنا أن الهدن المؤقتة مع طهران ليست سوى استراحة محارب لترتيب الصفوف قبل جولة أعنف. الستون يوماً المقبلة ستنبش ملفات تراكمت لسنوات، والجواب النهائي لن يُكتب في جنيف. فهل يحتمل لبنان جولة أخرى من دفع الأثمان؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top