
- أن هناك توجهاً داخل الشارع السني لا يمانع الانزلاق إلى فتنة سنية-شيعية، أو حتى سنية-سنية. والسؤال الأهم والأخطر هنا: مَن يغذّي هذاا
- مثال طرابلس الأخير يعطي الجواب عملياً؛ فلولا لطف الله ومساعي العقلاء لكناأمام مشهدية فتنة سنية-سنية تنزف دماً. وهنا تظهر الاحتمالات:
- ● السعودية: السردية السابقة تنفي هذا الاحتمال؛ فهي تسع ىللتهدئة، ولا تجاري الطموحات كافة للحلفاء المحليين.
- ● قطر: لديها القدرة والإمكانية، لكن أهدافها في لبنان غير واضحة؛ إذ تميل لاستخدام الملفات كورقة مساومة أكثر من كونهااستراتيجية طويلة الأمد.
- ● الإمارات: أكثر جرأة في العمل الخفي لتشويه الحضور السعودي وتوسيع سطوتها الأمنية والاستخباراتية، وفعلها لا يتخطى إطارالمنافسة مع السعودية؛ فهناك من يرى أن حضورها فرعي وليسجوهرياً.
- ● حزب الله وإيران: مستفيدون موضوعياً من أي تفكك سني؛ ولديهم قنوات داخل الدولة، لكن انشغالهم حالياً ببيئتهم يجعلدورهم المباشر غير مؤكد. وأي حراك حالي هو ضغط شارع، وسقف عالٍ لتحقيق مكاسب، خاصة في ظل الحرب؛ إذ سيراعي هذا الحراك واقع النازح والبيئة الحاضنة له، والاستفادة منالقواسم المشتركة “الأيديولوجية” المتمثلة في أن العدو الصهيوني عدو مشترك، وهو بحاجة ماسة لهذه المقاربة.
- ● فاعلون محليون: قوى مهمشة أو متراجعة قد ترى في الفوض ىفرصة لإعادة إنتاج نفسها، وشعار “إذا خربت ما بتعمر” يعبّر عنهذه الذهنية.
- تشخيص موازٍ وأصحاب المصالح الضيقة
في تشخيص موازٍ، يرى الصحافي والمحلل السياسي منير الربيع أن “القيادةالمفقودة انعكست موقفاً وسطياً رمادياً لدى الطائفة السنية”، مشيراً إلى أنه”اليوم تغيب زعامة سنية قادرة على استقطاب العدد الكبير من أبناء الطائفة”.
ويضيف الربيع أن دار الفتوى بدأت بعد عزوف الحريري “تحاول تحويل دارالفتوى إلى مرجعية سياسية مرحلية حتى موعد الانتخابات”، مؤكداً بلسان حالالنواب السنة أن “دار الفتوى قادرة على جمع الزكاة.. أما النواب السنة فلايجمعهم أحد”.
يبرز هنا خطر “أصحاب المصالح الضيقة”، وهم القوى السياسية التي فقدتشرعيتها الشعبية وتجد في الفوضى ملاذاً لإعادة إنتاج أدوارها. هؤلاء يرفعون شعار “أنا أو الطوفان”، مما يعطّل أي مسعى لولادة قيادات جديدة أو رؤيةوطنية تعيد ترتيب البيت الداخلي.
أما الجو الإسلامي المنظّم فيبدو مضبوطاً في الوقت الحالي، وربما يفسّرالانضباطُ السوري هذا السكونَ النسبي.
- الواقع الرقمي: المعركة الغائبة عن الوعي
لا يمكن الحديث عن الشارع السني دون الالتفات إلى “حرب السرديات” الرقمية؛ فبينما يغيب المشروع الوطني الموحد، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة صراع مفتوحة، تُصنع فيها السرديات من قِبل مؤثري”اللحظة” أو عبر حسابات موجّهة لا تتبنى بالضرورة هموم المكون السني، بلتعمل على تغذية الاستقطاب.
إن غياب منصة إعلامية موحدة حوّل تطبيقَي “تيك توك” و”واتساب” إلى قنوات للفتوى والسياسة. والمطلوب اليوم ليس قناة فضائية، بل “شبكة عقلاء رقميين” —تضم نحو عشرين شاباً وشابة من كل منطقة سنية— يملكون أدوات السردوتفنيد الشائعات، بتمويل مستقل. إن افتقار البيت السني إلى منصة إعلاميةأو فكرية موحدة يجعل “الحقيقة” عرضة للتشويه، مما يسهّل على أي طرفخارجي تمرير أجنداته تحت ستار “النصيحة” أو “الدعم”.
- إلى أين؟ توصيات على طاولة المرحلة
وسط هذا التشابك، لا يمكن للشارع السني أن يستمر كحالة رد فعل؛ فالمطلوب هو الانتقال من التخبّط إلى المشروع:
● تفعيل المرتكز الجامع: إعادة الاعتبار للمؤسسات المرجعيةالجامعة —وعلى رأسها دار الفتوى كجزء أصيل منها— كمرجعيةجامعة للبيت السني، وقناة تواصل مع باقي المكونات؛ فبدون هذاالمرتكز، يبقى أي مشروع هشاً.
● تعريف المصلحة: أي مصلحة سنجنيها من حرب أهلية جديدة؟ الجواب هو صفر، والخاسر الأول سيكون المكون السني نفسه.
● كسر ركائز الفتنة: تبني خطاب واضح يرفض الانجرار إلى فتنةسنية-سنية أو سنية-شيعية، ويعرّي الجهات التي تغذيها.
● استراتيجية وطنية: صياغة رؤية تحمي وحدة الأرض وتمنع الفدرلة المقنعة، وتعيد بناء حضور سياسي عقلاني وازن.
● وثيقة شرف وطنية: يلتزم بها الجميع لضبط السلوك السياسيوالإعلامي، وتمنع استخدام الشارع كوقود لصراعات الغير.
● تفعيل الدور السياسي: الغياب عن المؤسسات يعني ترك الفراغ للآخرين؛ والمطلوب هو العودة إلى العمل السياسي المنظم، لا أنيكون المكون “الجناح الأضعف” الذي يُستخدم كشماعة.
● الاقتصاد كمرتكز للسياسة: لا استراتيجية وطنية دون قاعدةاقتصادية. إن “دولرة الفقر وغياب الخدمات” في طرابلس وعكار—على سبيل المثال— حوّلت الشارع إلى سوق مفتوح أمام مَنيملك السيولة النقدية بالدولار (الكاش)، سواء كان جمعية أو شبكةخدمات. المصلحة السنية اليوم تبدأ من حماية لقمة العيش قبلحماية المقعد، عبر مشاريع تنموية مستقلة لا ترهن قوت المواطنبقرار سياسي خارجي أو محلي.
- خريطة التحديات – خلاصة المشهد
● التحدي البنيوي: غياب مرجعية قرار موحدة في ظل انكفاءالقوى التقليدية.
● التحدي الاستراتيجي: الانجرار إلى محاور إقليمية تتنازع علىالنفوذ في الجسد السني.
● التحدي الاجتماعي: تغوّل الفقر والحاجة، مما يسهّل اختراقالشارع سياسياً.
● الفرصة المتاحة: تفعيل المؤسسات المرجعية الجامعة لتكون مظلةوطنية بدلاً من التبعية للفصائل.
- الخلاصة: سيناريوان لا ثالث لهما
في الختام، أمام السنة خياران لا ثالث لهما:
● السيناريو الأول – شريك أساسي: إذا نجحت النخب في بناء”إطار جامع لا إقصائي” خلال اثني عشر شهراً، وقبل الانتخابات البلدية، عندها يمكننا العودة كلاعبين فاعلين. والمفتاح هنا هو: الاقتصاد + الإعلام الرقمي + المرجعية المعنوية لا السلطوية.
● السيناريو الثاني – هامش الغياب: إذا استمرينا في انتظار”الزعيم المنقذ” أو “المؤسسة الأحادية”، عندها سيكتب الآخرون مصيرنا كورقة مساومة.
والواقع اللبناني بعد 2024، بكل هشاشته، لا يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة.
سؤال لتعميق الحوار:
بالنظر إلى التشخيص الذي تحرّيتُ فيه الدقة في المفردات والمعاني، وآمل أنتكون هذه المقالة ورقة بحثية تفتح آفاقاً للغيورين والمخلصين لهذا الوطن، أترك البحث مفتوحاً للمستقبل عبر التساؤل الآتي: هل “الاستجابة” لهذه الرؤية منقبل النخب السنية —سواء الدينية أو السياسية— ممكنة في المدى المنظور؟ أمأن حالة التشرذم الحالية أقوى من أن تُحتوى بمجرد “طرحٍ استراتيجي”؟
