
بقلم الياس عيسى الياس
يجلس الرجل على طرف مقعد خيزران قشّ في ممر دار الرعاية، وعيناه معلقتان بعقارب ساعة اليد “أوميغا” القديمة التي لم يغير سوارها الجلدي منذ سبعينيات القرن الماضي. الممر بارد، تفوح منه رائحة المعقمات الممزوجة برطوبة الجدران المقشرة. يقترب الموظف الشاب حاملاً طبق الصباح الألمنيوم؛ قطعتان من الجبن البلدي العكاوي، حبات زيتون أسود مجعد، ورغيف خبز مرقوق مطوٍّ بعناية. يبتسم الموظف بآلية اعتادها كل فجر، متأملاً هذه اللهفة اليومية لإطعام امرأة انمحت الدنيا من رأسها تماماً، ولم تعد في عينيها الواسعتين لفتة انتباه واحدة لأي كائن يتحرك حولها.
يهز العجوز رأسه بوقار هادئ، ينهض مستنداً إلى عكازه الخشبي، ويتوجه نحو الداخل ممسكاً بمقبض الباب النحاسي العتيق. خلف هذا الباب، يغيب صخب الممر الخارجي وحركة الممرضات السريعة. الغرفة ضيقة، تكاد لاتتسع للسرير الحديدي وخزانة خشبية صغيرة يعلوها غبار خفيف. يجلسان في صمت مطبق. يتناول قطعة من الخبز المرقوق بيده التي تحفر فيها التجاعيد مسارات تشبه خرائط بيوت بيروت القديمة، يغمسها بقليل من الزيت والزعتر الحلبي، ويقربها برفق شديد من فمها.
في الممرات المجاورة، تبدو الغرف الموصدة أشبه بزوايا مهملة في حيّ نأى عنه أهله. غير أن العجوز، وهو يمد أصابعه المرتجفة ليصلح ثنايا ثوبها القطني الأزرق، يكسر هذا الجمود ببطء شديد. يلمس القماش الدافئ، ويعيد ترتيب الغطاء الصوفي الرمادي حول كتفيها الضئيلتين كمن يجمع بقايا بيت قديم تداعت جدرانه الحجرية في حارة من حارات “الجميزة” أو”مار مخايل”. يمسح بطرف كمه غباراً وهمياً عن حافة السرير الحديدي؛ هذا الترتيب الصارم هو ما يفعله رجل يحرس تفصيلاً صغيراً غاب عن وعيها هي، ولم يعد على وجه الأرض كائن يتذكره أو يدرك قيمته سواه.
يمتد الجهد الصباحي الدقيق في الغرفة الضيقة؛ عمل رتيب يكرره مع كل فجر، بعيداً عن الأعين. يسحب كرسيه الخشبي الآن ليتكأ بقرب السرير، مصدراً صريراً خفيفاً على بلاط الغرفة البارد. تفتح الزوجة عينين باهتتين غاب عنهما بريقهما القديم، تمران عبر وجهه وثنايا جبينه كأنه جدار مصمت أو غريب عابر، دون أن تستقر فيهما أي علامة تعرف أو لهفة لقاء؛ وجه جامد كأنها تراه للمرة الأولى في حياتها.
يتسلل ضوء الشمس الشاحب، متكسراً عبر زجاج النافذة المغبرّ، ليضيء حركتهما الرتيبة البطيئة. ترتفع الملعقة المعدنية في يده، ويتردد في الفراغ صوت ارتطام المعدن بحافة الصحن الخزفي الأبيض، مسبباً رنيناً دورياً يقطع صمت المكان.
يلتفت الموظف الذي ما زال واقفاً عند حدود الباب الموارب، يراقب المشهد بفضول مستغرب وعينين تملؤهما الأسئلة، فيهز العجوز رأسه ببطء دون أن ينظر إليه، ويقول بصوت خفيض ولهجة بيروتية متهدجة: “إن كانت قد نسيتني، فأنا لم أنسها… هذا يكفي”.
