
بقلم راما الجراح
يعيش القطاع السياحي في لبنان واحدة من أكثر مراحله تراجعاً منذ عقود، في ظل أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة انعكست مباشرة على حركة الوافدين، وعلى أداء الفنادق والمطاعم وشركات السفر. وبينما كانت التوقعات تراهن على موسم صيفي يعوّض جزءاً من الخسائر المتراكمة منذ عام 2019، جاءت المؤشرات لتؤكد أن الواقع أبعد ما يكون عن أي انتعاش، مع تراجع حاد في نسب الإشغال، وانخفاض كبير في حركة الطيران، وتقلّص واضح في الإنفاق السياحي. أمام هذا المشهد، تبرز الإشكالية حول مدى قدرة القطاع السياحي في لبنان على الصمود في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار؟
الأشقر: موسم هو الأضعف منذ أربعة عقود
في قراءة واقع الفنادق، يصف رئيس اتحاد النقابات السياحية بيار الأشقر الموسم الحالي بأنه “الأسوأ سياحياً منذ 40 عاماً”، معتبراً أن القطاع يعيش واحدة من أكثر مراحله هشاشة وانكشافاً، مشيراً إلى أن الانكماش لا يقتصر على رقم أو مؤشر، بل يطال البنية الكاملة للنشاط السياحي من فنادق ومؤسسات وخدمات.
ويكشف الأشقر عبر “ديمقراطيا نيوز” أن نسب الإشغال في أفضل الفنادق لا تتجاوز 15%، فيما تتراوح في بيروت بين 7 و10%، وتنخفض أكثر في المناطق خارج العاصمة. هذه الأرقام، بحسب تعبيره، تعكس شبه توقف في الدورة السياحية المعتادة، في ظل غياب شبه كامل للحركة الخارجية.
ويضيف أن الحرب والتوترات الأمنية لعبت الدور الأكبر في هذا التراجع، إذ أدت إلى إلغاءات واسعة وصلت إلى نحو 50% من الحجوزات المسبقة، إلى جانب تكاليف تشغيل مرتفعة لا تتناسب مع مستوى المداخيل المتدني، ما جعل الموسم الحالي “خاسراً بامتياز”.
نزهة: قطاع ينهار تحت ضغط الأزمات
أما على مستوى المطاعم والمقاهي، فيؤكد نائب نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي خالد نزهة أن قطاع المطاعم يشكّل أحد أهم أعمدة الاقتصاد اللبناني، كونه من أكثر القطاعات التي تولد العملة الصعبة وتوفر فرص عمل واسعة، خصوصاً للشباب والطلاب الذين يعتمدون عليه لتمويل دراستهم.
ويشرح لموقع “ديمقراطيا نيوز” أن هذا القطاع، الذي كان يستقطب استثمارات محلية وعالمية ويصدّر العلامات التجارية اللبنانية إلى الخارج، تعرض لضربة قاسية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التوترات الأمنية والحرب المستمرة، ما انعكس على حركة الزبائن والقدرة الشرائية، مشيراً إلى أن التراجع في النشاط وصل إلى نحو 80%، مع غياب شبه كامل للسياح العرب والأجانب، وتراجع ملحوظ في حركة المغتربين، في ظل حالة القلق العامة التي تدفع الناس إلى تقليص الإنفاق أو تجنّب الخروج بشكل كامل.
مطار بيروت: حركة أقل من مستويات ما قبل الأزمة
تعكس أرقام مطار بيروت الدولي خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 واقعاً سياحياً ضعيفاً، إذ بلغ إجمالي المسافرين نحو 1.59 مليون مسافر، بينهم 753.9 ألف وافد و830.1 ألف مغادر، مع حركة ترانزيت محدودة جداً.
ورغم تسجيل ارتفاعات شهرية في بعض الفترات، إلا أن الأرقام بقيت دون مستوياتها السابقة، مع تراجع سنوي واضح في أعداد الوافدين تجاوز 40% مقارنة بالفترة التي سبقت التوترات، ما يؤكد أن التعافي لا يزال جزئياً وغير مستقر.
السيد: قطاع السفر في أدنى مستوياته
يصف صاحب شركة “فلاي رتاج” للسياحة والسفر نصار السيد المرحلة الحالية ل “ديمقراطيا” بأنها من الأصعب التي مرّ بها القطاع منذ سنوات طويلة، مشيراً إلى أن حجم الطلب تراجع بشكل حاد وغير مسبوق.
ويضيف أن حركة بيع التذاكر انخفضت إلى مستويات متدنية جداً، بحيث لم تعد الشركات تسجل سوى أعداد محدودة من الحجوزات أسبوعياً، مقارنة بفترات سابقة كانت تشهد مئات العمليات في الفترة نفسها، حيث كانت حركة البيع تتعدى ٢٠٠ تذكرة أسبوعيا اما اليوم تصل الى ٤ تذاكر في الأسبوع ما يعكس حجم الانكماش في حركة السفر من وإلى لبنان، حيث تراجعت الحجوزات إلى مستويات شبه يومية محدودة، في ظل غياب شبه كامل للمواسم السياحية التقليدية.
إذاً، يؤكد مجمل المؤشرات والمعطيات أن القطاع السياحي في لبنان يمرّ بمرحلة انكماش حاد غير مسبوقة، نتيجة تداخل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي انعكست مباشرة على حركة الوافدين وأداء المؤسسات السياحية. فالتراجع الكبير في نسب الإشغال، وانخفاض حركة الطيران، وغياب السياح العرب والمغتربين، إلى جانب الضغوط التي تطال الفنادق والمطاعم وشركات السفر، كلها عناصر تجعل من التعافي السياحي أمراً مؤجلاً ومشروطاً بعودة الاستقرار. وبينما يربط المعنيون أي انتعاش محتمل باستعادة الثقة وتحسن البيئة العامة، تبدو السياحة اليوم في لبنان أقرب إلى قطاع يواجه أزمة بنيوية طويلة الأمد أكثر منها أزمة ظرفية عابرة.
