سوريا بعد الأسد: قراءة تأسيسية في لحظة السقوط ورهانات إدارة الأزمة

بقلم: نزار شاكر

لحظة السقوط… قراءة الحدث بعين التحليل

لم يكن سقوط دمشق في كانون الأول 2024 مجرد تغيرٍ في رأس السلطة، بل انطوى على انهيار عقدٍ اجتماعي دام أكثر من نصف قرن، قام على مركزية الدولة مقابل تهميش التنوع، وقد وضعت العملية الخاطفة التي قادتها هيئة تحرير الشام بزعامة أحمد الشرع حداً لحكم عائلة استمر خمسة عقود.

والتعامل الرصين مع هذه اللحظة يفرض إدراك ثلاث حقائق:
الأولى: فراغ السلطة أخطر من السلطة نفسها: بعد سنوات الحرب الطويلة، تبدو المؤسسات منهكةً، والجيش مفككاً، وثمة ملايين من السوريين في الشتات؛ وهنا حذّر المبعوث الأممي “غير بيدرسن” من أن العودة إلى العنف والتجزئة وانتهاك السيادة “يجب ألا تحدث”، بينما يبقى الطريق الآخر لاستعادة السيادة “قابلاً للحياة” لكنه يحتاج إلى قرارات سورية صحيحة ودعم دولي.

الثانية: معايير الشرعية تبدّلت: لم تعد تُقاس بالقدرة العسكرية وحدها؛ ففي عالم اليوم، باتت الشرعية تُقاس بمدى القدرة على إدارة التنوع، وجذب الاستثمارات، وضبط الحدود.

الثالثة: سوريا ورقة تفاوض لا ساحة معركة: مصلحة الأطراف الإقليمية والدولية تكمن في سوريا مستقرة، لكنها غير قادرة على الانفراد بالقرار، لتظل قابلة للتوظيف في معادلات أوسع.

من هنا بدأ “اليوم الأول”: لا بوصفه احتفاءً بسقوط النظام، بل اختباراً لقدرة القادمين الجدد على إدارة دولة منهكة.

مشهدية أحمد الشرع… بين الماضي والحاضر

الرجل الذي أُعلن رئيساً انتقالياً عقب اجتماع الفصائل، هو ذاته الذي أمضى سنوات في سجون العراق وانطلق من جبهة النصرة عام 2012، غير أن مشهديته الراهنة تحمل تحولاً لافتاً:

على مستوى الصورة: تخلى عن الكنية الحركية والزي العسكري، وظهر باسمه الصريح “أحمد الشرع” بلباس مدني أنيق يفهم لغة “البراند” (Brand)، في إشارة إلى الانتقال من حالة الثائر إلى حالة رجل الدولة ومواكبة الحداثة.

على مستوى الخطاب: قدّم نفسه في الأمم المتحدة بوصف سوريا “أرض حضارة تستحق دولة قانون”، متعهداً بمحاسبة المتورطين في إراقة الدماء، وطاوياً “صفحة الماضي البائس”، وملمحاً إلى أن المستقبل هو الذي يعنينا الآن.

على مستوى الأداء: انخرط في دبلوماسية نشطة وعالية المستوى؛ حيث التقى الرئيسَ الأمريكي دونالد ترامب في السعودية إبان اللحظات الأولى للسقوط، ونجح عبر تراكم أدائه السياسي اللاحق في انتزاع اعتراف رسمي تمثل في لقاء ترامب مجدداً داخل البيت الأبيض، وتلت ذلك جولات إقليمية شملت الدوحة وأبوظبي والرياض وأنقرة، وإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كسر غياباً دبلوماسياً سورياً امتد عقوداً.

وفي عمق هذا الأداء، صاغ الشرع توازناً دقيقاً؛ إذ تمكن بدبلوماسيته من الموازنة بين ما قدمه الطرفان التركي والأمريكي لتسهيل سقوط النظام السابق، وبين الحفاظ على وحدة البلاد ومنع تفتيت الجغرافيا السورية أو تحويلها إلى مناطق نفوذ ممزقة.

بهذا المعنى، يمكن وصف التجربة بأنها امتداد لـ “نموذج إدلب” الإداري إلى المسرح الوطني: إدارة عسكرية-مدنية نجحت نسبياً في احتواء التنوع محلياً، وتحاول تعميم التجربة على المستوى القُطري.

تفكيك شبكات النفوذ الإيراني: بين المطرقة الدولية والواقعية الميدانية

إن قراءة هذا التحول الدبلوماسي تستدعي بالضرورة تفكيك تركة النفوذ الإيراني المعقدة التي خلّفها النظام السابق؛ حيث يمثل هذا الملف المحك الأبرز في علاقات دمشق الجديدة مع البيئة الدولية، لم يكن سقوط المنظومة السابقة مجرد غياب لعائلة الأسد، بل شكل ضربة استراتيجية لـ “محور المقاومة”، أفقدت طهران عمقها الجيوسياسي الأهم في شرق المتوسط.

وتدرك إدارة الشرع أن التفكيك الميداني للإرث الإيراني يتطلب “مبضع جرّاح” لتفادي تفجير الداخل، فالقوى الإقليمية والدولية تترقب إنهاء دور سوريا بوصفها جسر إمداد عسكري لحزب الله في لبنان وضبط الحدود البرية، وهو ما يفسر المقاربة السورية الحذرة التي تفضل التحييد البراغماتي وتجنب الانزلاق نحو مواجهات عسكرية مفتوحة غير محسوبة النتائج.

أما على الصعيد الاقتصادي والقانوني، فتواجه حكومة الشرع الانتقالية تحدياً شائكاً يتمثل في “الديون السيادية” والاتفاقيات الاستثمارية والعقارية الواسعة التي أبرمتها طهران مع الحكومة السابقة، وفي سبيل تهيئة الأرضية لجذب رؤوس الأموال العربية والغربية، تتجه الإدارة الانتقالية نحو تجميد أو إبطال مفعول هذه الاتفاقيات عبر مسارات قانونية تستند إلى بطلان القرارات الصادرة في مناخ الحرب، مما يمهد الطريق لطرح مشاريع بديلة في قطاعات الطاقة والنقل تعيد ربط دمشق بمحيطها العربي والتركي.

الآراء والتحليلات… قراءات متباينة لمرحلة انتقالية

لا يوجد إجماع دولي على تقييم المرحلة، بل ثمة قراءات متعددة تتقاطع عند نقاط وتختلف عند أخرى:

  1. مراكز الأبحاث

مركز بيلفر بجامعة هارفارد: يرى أن سوريا تقف عند “مفترق طرق”. داخلياً، تواجه قيادة الشرع تحدياً مزدوجاً: فرض السلطة وبناء الشرعية. واختبارها الحقيقي لا يكمن فقط في دمج هياكل “قسد” وعودة اللاجئين، بل في قدرتها على استيعاب وتفكيك كل حالات الخروج عن مشروع أحمد الشرع الجديد، والتي تقودها جيوب ما زالت متمسكة بأدبيات المرحلة السابقة والخطاب المرجعي القديم؛ حيث أثبتت الإدارة الانتقالية حزماً ملموساً في احتواء هذه التمردات الداخلية دون تفجير الجبهة الوطنية. خارجياً، لديها “نافذة ضيقة” لاستعادة السيادة إذا نجحت في موازنة العلاقات بين واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران والخليج، دون الوقوع في تبعية طرف واحد.

مركز الجزيرة للدراسات: يحدد أولويات الإدارة الانتقالية بأربع: ملء فراغ السلطة، تحقيق السلم الأهلي، إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، واستعادة مكانة سوريا الخارجية. ويخلص إلى أن مستقبل الإدارة مرهون بقدرتها على التوازن مع دول الإقليم (تركيا وقطر والسعودية)، بوصفها البوابة لفك العزلة وإقناع المجتمع الدولي بررفع العقوبات.

  1. المواقف الدولية والإقليمية والميدانية

الغرب ومخرجات قمة الـ G7: عكسَ رفعُ واشنطن اسمَ هيئة تحرير الشام من قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” منتصف عام 2025، وتعهدُ الرئيس ترامب برفع العقوبات، تحولاً كبيراً في المقاربة تجاه سوريا ما بعد الأسد. لكن قانون قيصر ما زال سارياً، والكونغرس يناقش إلغاءه. وفي هذا السياق، تداخلت المقاربة الأمريكية الثنائية مع المقررات الجماعية لقمة مجموعة السبع (G7) لعام 2026، حيث تبنت الدول الكبرى استراتيجية “المشروطية الصارمة” (Conditional Aid). فرغم البراغماتية التي تبديها واشنطن، تصر الأطراف الأوروبية في المجموعة على ربط التدفقات المالية الكبرى وإعادة الإعمار بخطوات سياسية ملموسة تشمل صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات تحت إشراف أممي، وتفعيل آليات “العدالة الانتقالية”، مع التركيز على معادلة “اللاجئين مقابل التنمية” عبر تقديم ضمانات قانونية وأمنية لعودة النازحين، وتحصين النظام المالي السوري لمنع أي نفوذ صيني أو روسي بديل في شرق المتوسط.

الخليج: تنظر السعودية وقطر والإمارات إلى صعود الشرع بوصفه فرصة لإعادة إرساء سوريا في الحضن العربي وتقليص النفوذ الإيراني، وقد تعهدت هذه الدول بتقديم أموال لإعادة الإعمار مرتبطة بمدى الالتزام بمعايير الحكم الرشيد ومكافحة الفساد. ومع ذلك، يبقى حجم الدعم الفعلي مشروطاً بقدرة الشرع على تقديم حكم شامل، وضبط الانتقام الطائفي، والالتزام بإجماع أمني إقليمي يفضل الاستقرار على الأيديولوجيا.

الرأي العام واستراتيجية الميدان: أظهر استطلاعٌ للرأي نُشر مطلع عام 2026 أن أغلبية المشاركين قيّمت أداء الشرع الأولي بأنه “جيد”. ويرجع هذا القبول نسبياً إلى نجاح الإدارة الجديدة في هندسة توازنات ميدانية بالغة الدقة والحساسية لم تدرجها التحليلات التقليدية سابقاً:
في الساحل السوري: تدخل الشرع مباشرة وثبّت حضور الدولة ميدانياً، إذ زار الحاضنة السابقة وطمأنها عبر خطوات عملية بددت مخاوفها وصانت أمنها.
في الملف المسيحي: لم يقف الشرع عند حدود الخطاب التقليدي لحماية الأقليات، بل جعل من الوجود المسيحي شريكاً حقيقياً وفعالاً في مفاصل بناء الدولة الجديدة.
في الحالة الدرزية (السويداء): اعتمدت دمشق استراتيجية مركبة؛ ففي وقت الحزم وضبط السلم الأهلي تركت الإدارة الأمر للعشائر والمكونات المحلية تجنباً للحساسيات الأهلية، وفي وقت تدبير الحال وتسيير الأمور شاركت الدولة مباشرة وقدمت كل الدعم والتطمين.
وبذلك، لا يمنح العالم الشرع شيكاً على بياض، بل يمنحه فترة اختبار عنوانها: أمن الأقليات، ضبط الحدود، والحكم الشامل.

سيناريوهات اليوم الثاني… واستشراف المسارات

بناءً على التشخيص والقراءات السابقة، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة لسوريا في المدى المنظور، في ظل نهج يوصف بـ “البراغماتية التكيفية”؛ حيث يحمل الشرع السيف رمزياً للسيادة، ويعوّل على “بندقية الحليف” دبلوماسياً واقتصادياً:

  1. سيناريو إعادة الإرساء العربي – الأرجح نسبياً
    وقوده: دعم خليجي مشروط بالإصلاح، ورفع تدريجي للعقوبات الأمريكية والأوروبية بالتوافق مع معايير الـ G7، واستثمارات تعيد تشغيل القطاع الصناعي.
    صورته: عودة فاعلة إلى الجامعة العربية، وتحوّل سوريا إلى جسر بين الخليج وتركيا وأوروبا، مع تغليب الاقتصاد على الأيديولوجيا.
    شرطه: النجاح في “استيعاب قلاقل الداخل”؛ فأي حادث طائفي كبير كفيل بتجميد المسارات كافة.
  2. سيناريو التوازن الصعب
    وقوده: سياسة عدم الانحياز الكامل إلى محور واحد، والانفتاح المتوازن على واشنطن وموسكو وأنقرة، مع إدارة العلاقة مع طهران بالحد الأدنى الذي يضمن تحييد مخاطرها الوشيكة دون استثارة الفيتو الغربي.
    صورته: سوريا “دولة عبور” تبيع الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب مقابل الاعتراف الدولي والاستثمار، دون الانخراط في محاور صدامية.
    مخاطره: شعور أي طرف بالإقصاء قد يدفعه لتحريك أدواته، وخاصة ملف “قسد” في الشمال الشرقي (وهو مسار يصفه مركز بيلفر بأنه “طلب صعب للغاية”)، أو قيام شبكات النفوذ الإيراني المتضررة بتحريك خلاياها النائمة في البادية لخلط الأوراق وإعاقة مسار رفع العقوبات.
  3. سيناريو التفكك المؤجل
    وقوده: فشل دمج “قسد”، واستمرار العقوبات الغربية نتيجة عدم الإيفاء بشروط الاستحقاق السياسي لقمة الـ G7، وتعثر العدالة الانتقالية.
    صورته: تعميق مناطق النفوذ وترسيخ أمر واقع جغرافي-سياسي.
    وقايته: يبقى تحذير بيدرسن من العودة إلى التجزئة قائماً، ويظل نجاح الشرع في ضبط الثارات هو القفل الأساسي أمام هذا المسار.

سوريا العبور

لا تبدو سوريا القادمة نسخة من ناحية عن “سوريا القوة المركزية” قبل عام 2011، ولا عودة إلى “سوريا الفوضى” ما بين عامي 2012 و2024. الأقرب أنها “سوريا العبور”: دولة خرجت من استنزاف طويل، فاختارت لعب دور “مدير الأزمة” لا “صانع المواجهة”.

السيف الذي يحمله الشرع ليس أداة قتل، بل ضمان رمزي لطاولة المفاوضات. و”بندقية الحليف” ليست سلاحاً، بل هي رأس المال الخليجي والانفتاح الغربي المشروط الذي تدرّج صعوداً من الرياض حتى البيت الأبيض ومخرجات قمة السبع. والرهان الأخير ليس على الشخص، بل على قدرة هذه القيادة على تحويل الشرعية الخارجية المؤقتة إلى عقد اجتماعي داخلي، يقنع المواطن السوري بأن الصفحة البائسة قد طُويت فعلاً.

نجاح ذلك يعني ميلاد نموذج جديد في المنطقة: ثائر يتحول إلى مدير دولة، وفشله يعني أن التاريخ قد يعيد نفسه، ولكن بفاتورة أعلى من الدم والجغرافيا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top