بقلم جوزاف وهبه

لكلّ مدينة أبطالها. هي تصنعهم كي تبقى حيّة جاذبة وقويّة، أو هم يفرضون أنفسهم، فيكبرون وتكبر معهم المدينة. ربّما الكثيرون يعرفون “حكاية نابولي” المدينة الإيطاليّة العاديّة شبه المنسيّة. جاءها عُمدة (أو رئيس بلديّة، في تعريفنا المحلّي)، وأراد أن يكون “البطل” لا لكي يذكره الأهالي ويهلّلون له (على طريقتنا البدائيّة النافرة..) بل كي تتوهّج نابولي وتتحوّل إلى “قُبلة المدن” الإيطاليّة والعالميّة. إلتقى بالتجّار ورجال الأعمال وكبار القوم، وطرح عليهم سؤالاً بسيطاً: أتريدون “نابولي” عظيمة؟ وهكذا كان..أبرم عقداً خياليّاً مع لاعب كرة القدم الأرجنتيني الشهير “مارادونا” بكلفة ماليّة خياليّة. وبين ليلة وضحاها، تحوّلت المدينة الإيطاليّة المهمّشة إلى “نجمة” يقصدها مئات محطّات التلفزة والإعلام بحثاً عن صورة البطل “مارادونا”، فامتلأت الفنادق بالنزلاء، وباتت الحاجة إلى فنادق جديدة، وازدحمت المطاعم والمقاهي بالروّاد من كلّ مدن العالم، فباتت الحاجة إلى مزيد من أماكن اللهو والتسكّع.. وها نحن نكتب عن “نابولي” كمثل لانبعاث المدن، ولا نذكر اسم العمدة أو صورته. هكذا يكون البطل “فكرة” وليس شخصاً نبجّله وننفخ فيه الثناء والإطناب وأفعال المديح كالتي استهلكها الشاعر المتنبّي في الأمير العبّاسي سيف الدولة!

نحن “نشكر” كثيراً. ها هو حزب الله، مثلاً، يملأ بعد كلّ حرب مغمّسة بآلاف الشهداء وآلاف المساكن المهدّمة وآلاف النازحين، بانوات طريق المطار (لا أعرف لماذا يصرّ على هذه الطريق بالذات) ب “تشكّرات” لا تنتهي، تارةً “شكراً سوريّا” وطوراً “شكراً قطر”، واليوم “شكراً إيران”، مع الأمل في أن تنتهي هذه السلسلة السوداء لأنّها لا تحمل في مضامينها سوى علامات الموت والحزن والخراب المستطير.

نحن “نهلّل” (أو نتزلّف) كثيراً. كلّنا نشاهد يافطات التبريك في الشوارع أو على صفحات التواصل الإجتماعي لترفيع ضابط من رتبة ملازم أوّل إلى رتبة نقيب، ووصل الأمر بالبعض إلى الإحتفاء بابن البلدة أو القرية لمجرّد قبوله في الكلّية الحربيّة، وكأنّهم بذلك يضمنون “وساطتهم” معه في المستقبل حينما تكون له مكانة ومركز في الهيكليّة التقليديّة للسلطة.. وآخر ما لفت نظري واستغرابي ما قرأته من “تهليل كوراني” لإعادة تعيين محامٍ عضواً في الهيئة الناظمة للنفط ، علماً بأنّ له سنوات وهو يتقاضى آلاف الدولارات دون أيّ عمل أو جهد في المقابل، أي يقبض الكثير ولا يعمل حتّى القليل.. والسؤال البسيط:ماذا تجني الكورة أو أهل الكورة من هذا التعيين؟ لا شيء، سوى أنّها ثقافة العصبيّة، بكلّ ألوانها وأشكالها، من المذهب إلى الطائفة، ومن القرية إلى البلدة فالمدينة والقضاء، دون أن ننسى العصبيّة العائليّة والحي والزعيم والعمى السياسي!

كلّ هذه المقدّمة، كي نصل إلى المشهد الأخير في مدينة طرابلس. فجأةً تحوّل أحد القيّمين على مرفق رسمي في المدينة إلى “بطل” لمجرّد أنّه اتّخذ موقفاً من قضيّة أخلاقيّة – إجتماعيّة ذات صلة بالثقافة المحافظة السائدة داخل البيئة الحاضنة، كما يُقال. والخلاف هنا لن يكون حول الموقف المعلن، وإنّما حول صيغة التعبير عن هذا الموقف وسط محفل دولي متعدّد المفاهيم والتأثير: كيف يرضى “المسؤول الأوّل” في طرابلس أن يقول “قولوا عنّي متخلّف.. قولوا عنّي متزمّت.. لا يهمّني، فأنا أمثّل مدينتي، وأنا أحافظ على قيمها وأخلاقها”، أما كان أجدى به أن يسجّل اعتراضه على التوجّهات المتداولة داخل المؤتمر، بحنكة ومسؤوليّة ونضج، بدل اللجوء إلى نوع من الشعبويّة التي تستجرّ (وقد فعلت فعلها) ما نشهده من التهليل والتبجيل ورفعه إلى مستوى “الأبطال”؟

لا شكّ، أنّ المسؤول قد “لعبها” صح، ونجح في لعبته من خلال توزيعه المتعمّد للفقرة المثيرة من خطابه، ولكنّه لم ينتبه إلى الأثر السيّء الذي يمكن أن يتركه هذا الكلام في محفل دولي، وذلك على صورة المدينة التي تعاني ما تعانيه من تشويه مقصود وغير مقصود. طرابلس ليست “متخلّفة ولا متزمّتة”، وكان على ممثّلها أن يجد طريقة أخرى لحمايتها والدفاع عنها..وأحياناً يكون “الحبّ” أشدّ مضاضةً من العداء والخصومة وحتّى الكره.. أليس كذلك!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top