
بقلم الياس عيسى الياس
على بلدٍ لم يدفن كل موتاه بعد، ولم يبرأ من جراح حربه الأخيرة، تطلّ منفوق طريق المطار صور ضخمة للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، رُفعت بالتزامن مع مراسم عاشوراء.
حين سلكتُ هذا الشريان الحيوي مؤخراً، لم أستطع عزل هذا المشهد المفاجئ عن النزاع التاريخي الممتد في لبنان حول هوية المكان. إن السؤال الأساسي هنا يدور حول من يملك حق إدارة الحيز المشترك وتوجيه رسائله السياسية؛ فالفضاء العام في بلدنا لم يكن يوماً مساحة جغرافية محايدة، بلكان دائماً المرآة التي تعكس موازين القوى وتجلياتها على الأرض.
إن هذا المشهد البصري يقودنا مباشرة إلى أطروحة بيير بورديو حول”العنف الرمزي”، حيث تعمد القوى الممسكة بالأرض إلى استخدام أدوات مرئية لتطبيع وجودها في الأذهان، وتحويل سلطة الأمر الواقع إلى حقيقة بديهية تذعن لها العقول.
وحين يُعاد صياغة مدخل البلاد الدولي بهذا الأسلوب، فإن الأمر يتعدى إحياء مناسبة دينية. إنه محاولة لفرض ملامح هوية عقائدية محددة كواجهة أولى للبنان، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية والتعقيد.
وبطبيعة الحال، أدرك تماماً أن احتلال المساحة العامة باللافتات الحزبية ليس سلوكاً مستجداً؛ فالرايات والصور التي تقسم الأوتوسترادات الساحلية والمناطق اللبنانية شرقاً وغرباً، تُثبت أننا أمام تقليد مارسته معظم القوى اللبنانية بمختلف انتماءاتها.
لكن الأزمة تكتسب خطورة مضاعفة اليوم حين تتحول السجالات إلى ممارسات ميدانية في الشارع، يُراد منها إلغاء شعارات الطرف الآخر بصرياً لمجرد أنها تحمل عناوين وطنية جامعة. هذا الاحتراب الرمزي يستبيح رصيف المواطنة المشتركة.
وهذا التجريد النظري يقودنا حتماً إلى ملامسة الواقع المعاش على الأرض؛ فالناس في هذا الشارع المنهك لديهم اليوم أولويات أخرى تماماً. صاحب متجر الإطارات الصغير الذي رأيته يقف وسط الركام محاولاً مسح الغبار عن بضاعته الكاسدة، أو رب الأسرة النازح الذي يكافح لتأمين بدل إيجار مسكن مؤقت وقسط المدرسة لأطفاله، لا يبدوان معنيَّين بهذه المعارك الدائرة فوق رؤوسهم.
هنا تتجلى بوضوح عملية “خصخصة الألم”؛ حيث تنفصل شعارات “المحور والانتصار” عن الكلفة الإنسانية الباهظة التي يتكبدها المواطن العادي بمفرده تحت وطأة الأزمة، ليتحول هذا الانفصال إلى صرخة مكتومة تعيدنا إلى السؤال حول أحقية السيطرة على جدران الوطن وشوارعه.
وأمام هذا التباين الحاد بين أولوية البقاء اليومي للإنسان المنهك وبين صخب الشعارات المرفوعة، يفرض السؤال الجوهري نفسه: من يملك فعلياً هذا الفضاء؟ إذا كان بورديو قد فسر الفضاء بوصفه ساحة هيمنة صامتة، فإن يورغن هابرماس يطرح الطرف النقيض عبر مفهوم “المجال العام” بوصفه مساحة حوارية تضمن للدولة حيادها وتعددية مجتمعها بعيداً عن الاستقواء.
ومن الناحية القانونية، يحسم التشريع اللبناني هذا النزاع السيادي على المساحة المشتركة منذ فجر التأسيس؛ إذ يحظر القانون الصادر في تشرين الأول من عام 1945 رفع أي علم غير العلم اللبناني في المجال العام دون استئذان وزارة الداخلية وموافقتها.
وإذا كان المشرّع قد حسم أمر العلم الرسمي بهذه الصرامة منذ عقود تحت طائلة عقوبات واضحة، فإن اعتبارات السيادة تستدعي حكماً ضبطاً مماثلاً لما يضاهيه اليوم من رموز وصور تتجاوز في أبعادها مجرد اللافتات الإعلانية لتنافس رمزية الدولة نفسها.
إن الأزمة إذاً ليست في غياب النص القانوني، بل في عجز السلطة عن تطبيقه لحماية مواطنيها العُزّل في مناطق نفوذ السلاح. وثمة رابط وثيق هنا بين تفاصيل الشارع والملفات السيادية الكبرى؛ فالدولة التي تهاب مؤسساتها ضبط المشهد البصري على طريق دولي تأميناً لعين المسافر والمواطن البسيط، تقدم مؤشراً واشياً عن حدود قدرتها الميدانية.
وهو ما يفتح الباب للتساؤل البديهي حول مدى جاهزيتها لحسم ملفات بحجم حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم.
إن الانتقال من منطق الساحات المستباحة للرسائل الخارجية إلى منطق الدولة الحاضنة يبدأ من نقطة واحدة: ألا يعجز الشارع عن تمثيل كل اللبنانيين، وألا يتحول الخلاف فيه إلى مجرد نزاع على جدار.
فالصورة التي تنطبع في وعي الزائر والمغترب عبر زجاج السيارة وهو يغادر بوابة المطار، هي التي تختصر الحكاية كلها؛ إما طريق يقود إلى دولةالقانون والمساحة المشتركة، أو رصيفٌ مُصادَرٌ لرموز عابرة للحدود.
