
بقلم الياس عيسى الياس
ما كان بالأمس القريب يشكل العصب العسكري الأساسي للحكم الجديدفي دمشق، تحول اليوم إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً في حسابات العواصم المؤثرة.
فبعدما اندفعت التشكيلات الأجنبية في طليعة القوى التي أسقطت النظام السابق، بات حضورها الراهن يضع الرئيس أحمد الشرع أمام اختبار سيادي بالغ الحساسية؛ حيث يجد الرجل نفسه أمام مهمة دقيقة تفرض عليه التخلص من هذا العبء، من دون أن يهز الجبهة الداخلية التي أوصلته إلى السلطة.
وفي هذا السياق، كانت التحركات العسكرية الأخيرة على الحدود السورية اللبنانية قد رسمت علامات استفهام كثيرة، خصوصاً أنها شملت عناصر من هذه المجموعات بالذات.
ولهذا السبب تحديداً، ثمة من تساءل إن كانت السلطات السورية تمهد لدفع هذه المجموعات نحو مواجهة مباشرة مع حزب الله، أم أن الأمر لا يتعدى إعادة انتشار تكتيكي لضبط الحدود وإغلاق مسارات الإمداد.
السؤال الجوهري هنا يتجاوز التكهن بوجهتهم المقبلة، ليلامس مدى قدرة الإدارة الجديدة على الاستغناء عن خدماتهم أساساً، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير الذي تبديه العواصم الغربية بهذا الملف.
فمنذ سقوط النظام السابق، ظل ملف العناصر غير السورية حاضراً في حسابات واشنطن، وإن بمواقف متفاوتة الحدة بحسب المسار والمرحلة: فبعدما بدا الموقف الأميركي متشككاً في الأشهر الأولى، أبدت واشنطن منتصف عام ٢٠٢٥ تفهماً لدمج آلاف المقاتلين الأجانب ضمن تشكيلات الجيش السوري الرسمية. غير أن الملف عاد ليُطرح لاحقاً بصيغة أضيق: إذ ربط مشروع قانون في مجلس الشيوخ أي دعم دفاعي أميركي مستقبلي لدمشق بخطوات ملموسة لنزع سلاح المقاتلين الأجانب الكامل.
واشنطن لا تصنف هذه القضية كشأن أمني محلي، بل تراها مؤشراً لقياس مدى أهلية الحكم الجديد للتحول إلى «دولة مسؤولة» بالمعنى الدولي، حتى وإن تعاملت مع الملف عبر مسارات متعددة ومتفاوتة الشروط بدل خط واحد ثابت.
وتكمن المفارقة المفصلية هنا في أن المجموعات التي اعتُبرت قبل أشهر فقط عامل قوة حاسم، أصبحت اليوم أحد أهم عناصر الضعف والإرباك في حسابات دمشق أمام المجتمع الدولي وأروقة الكونغرس. والأرجح أن عملية التفكيك ليست قراراً إدارياً يوقّع بجرة قلم؛ فهؤلاء المقاتلون جرى دمجهم وشرعنتهم في البنية العسكرية والأمنية الوليدة.
وبناءً على ذلك، يبدو أننا أمام عملية إعادة هيكلة محفوفة بالمخاطر، قد تفجر تصدعات صامتة داخل المؤسسة العسكرية نفسها، أو تدفع ببعض الفصائل العقائدية نحو التمرد المسلح لحماية وجودها. وتبين تجارب الحروب الأهلية عموماً أن نزع سلاح الجماعات المسلحة وإعادة دمجها عملية بالغة التعقيدوغالباً ما تستغرق سنوات طويلة؛ إذ إن الدمج المتسرع لا ينهي الأزمة بل يؤجل انفجارها فقط، لتبقى السلطات الخارجة من رماد الصراعات مواجهة دائماً بالتحدي الأصعب: إعادة تعريف من يملك وحده الحق في حيازة السلاح.
وفي ظل هذه الصعوبة الداخلية والضغوط الخارجية، بدأت تبرز فرضيات حول إمكان نقل المشكلة إلى الخارج. هذا الاحتمال اكتسب زخماً إضافياً بعد تصريحات رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب على هامش قمة مجموعةالسبع في إيفيان بفرنسا منتصف يونيو الماضي، حين أعلن أنه اقترح على إسرائيل أن تترك لسوريا مهمة التعامل مع حزب الله، مؤكداً لاحقاً أنه ناقش الملف مع الشرع مباشرة.
ورغم أن هذا الطرح قد يبدو تكتيكياً ومغرياً في حسابات واشنطن للتخلص من «الشركاء الأعباء»، فإن الشرع نفسه نفى مراراً أي نية للتدخل العسكري في لبنان، فيما سارعت دمشق إلى احتواء الطرح تجنباً لمخاطر صراع مذهبي عابر للحدود قد يقوّض صورتها كدولة مستقرة وطبيعية.
غير أن الإجابة الأكثر ترجيحاً عن طبيعة التحركات الحدودية جاءت البارحة الخميس (٢ يوليو) من العاصمة اللبنانية بيروت؛ فخلال زيارة رسمية لافتة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تُرجمت الهواجس الميدانية إلى ترتيبات دبلوماسية وسيادية واضحة.
فقد أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ارتياحه للتنسيق القائم بين البلدين لاسيما في مجالات «ضبط الحدود ومنع تهريب الأشخاص والسلاح». هذاالتركيز المشترك على تجفيف قنوات السلاح يرجّح استبعاد فرضية توظيف هذه الجماعات في صراع حدودي متفجر، ويؤكد أن دمشق تبدي أولوية مطلقة لحصر السلاح وإغلاق قنوات الفوضى كجزء من عملية إعادة ترميم مؤسساتها وإرساء الاستقرار الداخلي.
وفي اللقاء ذاته ببيروت، جاء الموقف الرسمي لوزير الخارجية السوري ليضع النقاط على الحروف ويقطع الطريق على سيناريوهات الصدام بالوكالة معحزب الله بتأكيده البراغماتي: «إذا اقتضت المصلحة لقاء حزب الله فنحن منفتحون».
وعلى الصعيد السياسي، نقل الشيباني رسالة واضحة وجريئة من الرئيس أحمد الشرع مفادها أن «دور سوريا لن يكون مثل دورها في الماضي، وأنصفحة جديدة فُتحت بين البلدين لن تكون فيها سوريا مع طرف ضد آخر، بل إلى جانب جميع اللبنانيين».
هذا الإعلان السوري الرسمي يمثل تحولاً استراتيجياً في عقيدة الحكم الجديد في دمشق؛ فهو يعكس إدراكاً عميقاً بأن الكلفة السياسية لأي دور عسكري خارجي ستكون باهظة جداً في وقت يتطلع فيه الحكم إلى اعتراف دولي أوسع وجذب الاستثمارات.
وبدلاً من الانخراط في معارك استنزاف جانبية، اتجهت دمشق وبيروت نحو«مأسسة» العلاقات عبر الإعلان عن تشكيل لجنة عليا مشتركة ومجلس أعمال لبناني سوري، لتعزيز التعاون في مجالات الربط الكهربائي والنقل والاقتصاد. حتى إن ملف المحكومين بات يُدار حصراً عبر مسار حكومي رسمي مباشر، مع تسلّم دمشق لدفعة ثانية من السجناء السوريين منسجن «رومية» اللبناني.
في المحصلة، تبدو التحركات الأخيرة وما رافقها من حراكٍ دبلوماسي بمثابة رسائل ردع متعددة الاتجاهات تلخص ملامح العقد الجديد: فإلى القوى عابرة الحدود تأكيد تغيّر قواعد اللعبة وإغلاق خطوط الإمداد نهائياً؛ وإلى المجتمع الدولي إظهار قدرة القيادة الجديدة على ضبط الجغرافيا والتحول إلى «دولة طبيعية» تمارس سيادتها التقليدية وتفي بالتزاماتها الجيوسياسية؛ وإلى الداخل السوري تأكيد أن قرار الحرب والسلم بات حكراً على مؤسسات الدولة الرسمية دون سواها.
فشرعية السلطة في الدول الخارجة من الحروب، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعدد البنادق التي تلتف حولها، بل بقدرتها على جعل السلاح حكراً على الدولة، بحيث يصبح هذا الاحتكار أمراً بديهياً وعقداً سيادياً لا موضع نزاع.
