الاستقلال الأمريكي: أمة نهضت بالانكسارات

بقلم الياس عيسى الياس
 
لا تحب الأمم عادةً تذكّر بداياتها المرتبكة. تفضل رواية تاريخها بوصفه سلسلة من البطولات والعبقريات الفريدة. غير أن مراجعة الوقائع تكشف عن مشهد أقل مثالية؛ فالتاريخ الحقيقي ليس معجزة هبطت من السماء، بل هو مسار شاق من الأخطاء والتصحيحات المتراكمة.
 
والجمهورية الأمريكية التي تحتفل بالرابع من يوليو، لم تولد كاملة الأوصاف في صيف عام 1776. هويتها الحقيقية صُقِلت في سياق من الفشل والتناقض البنيوي، وعبر مسارين كشفا أن الإخفاق الذي بدأ عسكرياً على الجبهات، سرعان ما تكرر فكرياً في نصوص التأسيس.
 
في صيف عام 1754، كان جورج واشنطن مجرد ضابط في الثانية والعشرين من عمره، يدفعه طموح يفوق خبرته ورغبة يائسة في إثبات ذاته أمام النخبة الاستعمارية. قاده هذا الاندفاع إلى تصرف متهور في برية بنسيلفانيا؛ هناك هاجم مفرزة فرنسية في اشتباك عُرف لاحقاً باسم “معركة جومونفيل غلين”، كان أحد الشرارات التي أشعلت حرب السنوات السبع في أمريكا الشمالية؛ إذ سرعان ما انجرّت فرنسا وبريطانيا إلى مواجهة شاملة امتدت من أوروبا إلى الهند والكاريبي، لتصبح أول صراع يستحق فعلياً وصف “الحرب العالمية” قبل قرنين من الحربين العالميتين في القرن العشرين.
 
توالت الإخفاقات سريعاً. بنى الشاب على عجل موقعاً دفاعياً بائساً في مرج منخفض ومكشوف، أطلق عليه اسم “حصن الضرورة”. حاصرته القوات الفرنسية بسهولة واقتيد إلى هزيمة خاطفة ونكراء.
 
ولم يقتصر الأمر على الهزيمة العسكرية، بل وقع واشنطن ضحية لترجمة رديئة صاغها مترجمه الهولندي في ليل الاستسلام المربك. وقّع على وثيقة فرنسية تتضمن اعترافاً خطيراً بأن الضابط الفرنسي قد “اُغْتِيل” (l’assassinat)، وهو توصيف تلقفته باريس بذكاء لتقديمه كدعاية تدمغ البريطانيين بالغدر.
 
وربما لو انتهت مسيرته عند تلك الهزيمة لما تذكره التاريخ إلا كضابط شاب أخطأ تقدير الموقف. لكن تلك التجربة كانت بداية التحول الحقيقي في شخصيته العسكرية؛ فالهزيمة المبكرة علّمته الحذر والاهتمام بالاستخبارات وقراءة الأرض، وهي المهارات التي جعلته يعبر نهر ديلاوير بنجاح باهر عام1776.
 
وإذا كان التاريخ قد صحح القائد عبر الهزيمة، فإنه صحح الفكرة المؤسسة عبر التناقض.
 
حين خطّ توماس جيفرسون عبارته الشهيرة في إعلان الاستقلال، معلناً أن جميع البشر خُلقوا متساوين ولهم حقوق لا تقبل التصرف كالحياة والحرية، لم يكن الهدف المباشر إطلاق برنامج لإعادة بناء المجتمع أو قيام ثورة اجتماعية شاملة. كان يمارس تجربة فكرية مستوحاة من فلاسفة العقد الاجتماعي تهدف حصراً إلى نفي الحق الإلهي للملوك البريطانيين. المساواةفي ذهنه كانت تعني ببساطة ألا يولد إنسان بامتياز طبيعي يحكم بهالآخرين.
 
لذلك، تعايش هذا النص الشاعري بدم بارد مع وجود عبودية سوداء مريرة، وحرمان كامل للنساء والفقراء من أبسط الحقوق السياسية. كانت الفجوة هائلة بين بلاغة الحبر وقسوة الواقع المعاش.
 
عند هذه النقطة تتضح خصوصية التجربة؛ فقوة الوثيقة لم تتجلَّ لأن واضعيها التزموا بها، بل لأن الذين أُقصوا خارج أسوارها قرروا ممارسة نوع ذكي من “الاستيلاء التحرري” على لغة الحاكم.
 
رفض المظلومون اختراع لغة جديدة للمطالبة بحقوقهم. وبدلاً من ذلك، صادروا الكلمات الشاعرية للنخبة البيضاء وحولوها إلى شرك أخلاقي وسياسي يحاصر السلطة بنصوصها ذاتها. إنهم أثبتوا أن المواثيق التأسيسية لا تنتمي لمن يكتبها، بل لمن يملك الشجاعة لتطبيقها.
 
في 15 مايو 1783، نشر كاتب أسود مجهول مقالاً في صحيفة “ذا ماريلاندغازيت” تحت الاسم المستعار “صوت الأفارقة” (Vox Africanorum).
 
وجّه المقال طعنة أخلاقية وقانونية صارمة لقادة الثورة، حيث صرخ في وجه النخبة المنتصرة بعبارة قطعت الطريق على زهوهم البلاغي: «فلتكف أمريكا عن الابتهاج، فهي لم تنل بعد سوى حرية جزئية».
 
بهذه العبارة، أقام الكاتب محاكمة علنية لنوعية الحرية المنتجة؛ معتبراً أن الاستقلال الاستعماري من دون انعتاق إنساني شامل هو مجرد تجزئة مشوهة للمبادئ الرفيعة والمجيدة التي أكدتها أمريكا مؤخراً للعالم أجمع، ودافعت عنها بدمائها الأغلى.
 
ولم يكن ذلك الصوت معزولاً. تلاه حراك فكري وتاريخي متصاعد ومواجهات مباشرة مع النخبة الحاكمة. ففي عام 1791، واجه العالم والفلكي بنجامين بانيكر توماس جيفرسون شخصياً برسالة لاذعة، اقتبس فيها كلمات جيفرسون عن الحقوق غير القابلة للتصرف، وأبدى الشفقة على التناقض الصارخ بين إيمانه بعدالة الخالق واستعباده لبني البشر.
 
هذا النضال المستمر والضغط الأخلاقي العنيف انتزعا كلمات جيفرسون منسياقها الأرستقراطي البارد ومنحاها بعداً إنسانياً شاملاً.
 
ومع مرور العقود، تحول هذا الشرخ الفكري التأسيسي إلى مواجهة وجودية طاحنة هددت بتمزيق كيان الدولة. تطلب الأمر عقوداً من الصراع لتصل القضية إلى ذروتها السياسية والعسكرية في أتون الحرب الأهلية الأمريكية.
 
هناك، وسط لهيب الحرب التاريخية عام 1863، تجاوز الرئيس أبراهاملينكولن التسويات الدستورية التي كانت قد سمحت باستمرار العبودية، وعادبالذاكرة إلى الرابع من يوليو 1776. جعل من عبارة المساواة الشاملة الأساس الأخلاقي والروحي لأمة تولد من جديد من رحم التصحيح والمراجعة.
 
من هذه الزاوية تبدو التجربة الأمريكية، بصرف النظر عن اختلاف المواقف السياسية منها، تذكيراً بأن شرعية الأمم لا تُقاس بزعم خلوّها من الخطأ، بل بقدرة مجتمعاتها ومؤسساتها على مراجعة الأخطاء علنًا وبشجاعة.
 
وهذا الدرس يكتسب أهمية مضاعفة خارج سياقه الجغرافي، لا سيما في فضائنا العربي واللبناني المعاصر؛ حيث تُبنى الشرعيات السياسية غالباً على أساطير معصومة، وثوابت جامدة ترفض النقد، بينما تنفر المنظومات الحاكمة من فكرة المراجعة الذاتية، فتغلق الباب أمام أي تصحيح دستوري أو سياسي حقيقي.
 
فكل مجتمع يربط شرعيته بالعصمة، يعرّض نفسه لأن تتحول أخطاؤه إلى أقدار دائمة، وتتحول نصوصه التأسيسية إلى جدران سجن بدلاً من أن تكون شرفات حرية.
 
لم يصنع أمريكا فلاسفة معصومون ولا جنرالات لم يعرفوا الهزيمة، بل صنعتها الحكمة التي تولدت من انكسارات واشنطن الأولى، والروح الحية التي نفخها من حُرموا من حق الانتماء في نصوص جيفرسون الميتة. وهكذا تظل الحرية دائماً مشروعاً مفتوحاً، لا إنجازاً نهائياً، ومحاولةً دائمة لتقليص المسافة بين النص الشاعري والواقع المعاش.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top