لبنان في عين العاصفة الجيوسياسية(3-1): أزمة النظام البنيوية وتحول المحاور في الجوار


بقلم نزار شاكر


عبر مفاهيم “الواقعية البنيوية الجديدة” في العلاقات الدولية، و”الفيتو الجيوسياسي للفواعل من غير الدول”، و”المربعات البراغماتية الإقليمية”؛ يُشرح الوضع اللبناني بوصفه الضحية الأكثر هشاشة لصدام التوازنات الكبرى في المشرق العربي، فلبنان تاريخياً يمثل “مختبراً مكشوفاً” لتصفية الحسابات الهيكلية في المنطقة، ولتفكيك هذا المشهد المعقد، ينطلق هذا الجزء الأول من السلسلة لتشخيص النواة الداخلية المعطلة، وأزمة فائض القوة، وانعكاسات الميدان على توازنات الصيغة والدولة، وصولاً إلى تحولات الجوار السوري اللصيق.

أولاً: النواة الصلبة والخلل البنيوي (أزمة النظام وعقدة الطائف المبتور)
تبدأ الأزمة اللبنانية المعاصرة من عمقها البنيوي والمؤسساتي؛ إذ صيغ اتفاق الطائف (1989) كمعادلة توازنات عاقلة وعقلانية لإنهاء الحرب الأهلية، لكن خطيئته الكبرى تمثلت في سوء التطبيق التاريخي الذي جرى في ظل “وصاية سورية” قسّمت المغانم وعطّلت بنوده الإصلاحية الجوهرية، وعلى رأسها: إلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء مجلس شيوخ، وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة.

هذا الالتفاف البنيوي حوّل النظام من “ديمقراطية توافقية” إلى “آلية فيتو متبادل” (أي كل فريق يملك حق تعطيل الآخر) شلّت المؤسسات الدستورية بالكامل، فتحولت الوزارات والمجالس الرسمية إلى إقطاعيات طائفية مغلقة، مما أفضى في النهاية إلى الانهيار المالي والتاريخي الذي صنفه البنك الدولي في تقريره لعام 2021 كإحدى أعمق ثلاث أزمات اقتصادية عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ومع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 40% بين 2019-2021، تحولت الدولة إلى جثة مؤسساتية عاجزة عن ضبط حدودها أو إنتاج حلول سيادية مستقلة، مما جعل الساحة مهيأة تماماً للاختراق الإقليمي.

ولعل أخطر ما يواجه بنية “الطائف” اليوم هو حالة “الفراغ السنّي السياسي” وتشتت المركز؛ فمنذ غياب القيادة المركزية الموحدة وتراجع الزعامة التقليدية التاريخية، تعيش الساحة السنّية حالة من التشرذم وغياب العرّاب الإقليمي الحصري، هذا الخلل غير المسبوق في ميزان الردع الداخلي والتوازن الطائفي أضعف المدافع الأول عن منطق الدولة المركزية في بيروت، مما ترك الهيكل مكشوفاً بالكامل أمام صعود الفوائض المسلحة، وسرّع من وتيرة انكفاء المكونات الأخرى نحو خيارات الانعزالية حمايةً لذاتها.

ثانياً: الدائرة اللصيقة وفائض القوة (الشيعية السياسية وحق الفيتو الجيوسياسي)
عقب تراجع الحضور السوري المباشر من الساحة اللبنانية بعد عام 2005، صعدت “الشيعية السياسية” ممثلةً بثنائية حزب الله وحركة أمل، مستندةً إلى فائض القوة العسكرية والتنظيمية الضخم للحزب، ويمثل حزب الله اليوم النموذج الإقليمي الأوضح لـ “الفواعل من غير الدول Non-State Actors” التي تمتلك فيتو جيوسياسياً كاملاً وعابراً للحدود الوطنية (أي قدرة على فرض قرار الحرب والسلم خارج الدولة).

لقد تمكّن الحزب، بفعل ترسانته العسكرية وشبكاته العقائدية والمالية، من الإمساك بمفاصل القرار الاستراتيجي للدولة اللبنانية (قرار السلم والحرب)، متجاوزاً التركيبة الدستورية التقليدية ومفهوم احتكار الدولة الفيبرية للعنف الشرعي، هذه القوة البنيوية جعلت من المستحيل تمرير أي تسوية سياسية كبرى، أو تطبيق إصلاحات هيكلية واقتصادية، دون موافقته الصريحة؛ مما خلق واقعاً ثنائياً تتصادم فيه دولة رسمية ضعيفة مكبلة بالالتزامات، مع فاعل ميداني قوي يدير الاستراتيجية والخيارات الكبرى.

ثالثاً: اشتعال الميدان ورهان الجغرافيا (تداعيات ربط الجنوب والصدام الإقليمي)
قاد هذا التموضع العسكري للحزب مباشرة إلى ربط جبهة جنوب لبنان بملفات الإقليم الساخنة، كترجمة عملية للمشروع الإيراني الممتد من طهران إلى المتوسط، مما جعل من الجغرافيا اللبنانية ساحة استنزاف متبادلة وتفاوض صاخب بالدم، وتدفع البنية التحتية والاقتصادية والديموغرافية اللبنانية كلفة باهظة جراء هذا الربط الجيوسياسي؛ فالدمار الشامل الذي يلحق بالقرى الحدودية منذ تشرين الأول 2023، والتهجير الواسع لأكثر من 100 ألف من المحيط الشعبي، يضعان البلد أمام استنزاف مكشوف يعيق أي فرصة للنهوض الاقتصادي، ويحشره في زاوية صراع أوسع من قدرته الاستيعابية.

إن كلفة النزوح وتدمير الأصول الاقتصادية بالجنوب أحدثا فجوة عميقة تفصل الاقتصاد المحلي اللبناني عن خطط التنمية الإقليمية الطموحة؛ مما يكرّس الجنوب اللبناني كساحة رهينة للتوازنات الخارجية والحسابات الإقليمية، لا امتداداً خاضعاً لإنماء الدولة المركزية وسيادتها المفترضة.

رابعاً: الجوار المباشر وتحول المحاور (التغير البنيوي السوري واستعصاء النزوح)
على مسافة لصيقة من المشهد، يبرز المتغير السوري كعامل حاسم ومؤثر في التوازن اللبناني؛ إذ تمر دمشق بمرحلة انتقالية حرجة وضغوط توازنات جديدة في مشهد المشرق العربي. ورغم غرق الدولة السورية في أزماتها الهيكلية والاقتصادية الخاصة، فإن أي تحول في مسارها نحو “البراغماتية الاقتصادية العربية” وبناء مصالح جديدة مع دول الخليج العربي، سينعكس حتماً وبشكل مباشر على الداخل اللبناني وتوازناته، وربما كانت زيارة وزير الخارجية السوري “أيعد الشيباني” مؤخراً إلى لبنان ترجمة لهذا المسار.

إن التحول السوري يمثل اليوم سلاحاً ذا حدين بالنسبة للبنان:

الحد الأول: قد يسهم في تبريد ملف السلاح والحدود وضبط التهريب في حال نجاح المقاربات العربية البراغماتية مع دمشق وإعادة دمجها في النظام الإقليمي.

الحد الثاني: يتمثل في استعصاء ملف النازحين السوريين في لبنان، والذين تُقدّر أعدادهم بأكثر من 1.5 مليون نازح وفق المفوضية العليا للاجئين، على أرض لا يتجاوز عدد سكانها الأصليين 5.5 مليون نسمة. وهو ما يشكل قنبلة ديموغرافية، واقتصادية، وأمنية موقوتة تضغط بعنف على البنية التحتية المتهالكة وتغذي الاستقطاب الطائفي والتوترات الاجتماعية الداخلية التي تهدد السلم الأهلي الهش؛ وهي التوترات التي تزيدها تعقيداً هندسة الترتيبات الميدانية البرية المطروحة دولياً لتطبيق القرار 1701 عبر صيغ “المناطق التجريبية Pilot Zones” والمناطق العازلة تكتكتياً شمال الخط الأزرق، مما يضع الجغرافيا اللبنانية برمتها أمام اختبار فرز ميداني وديموغرافي فائق الحساسية.

في الجزء الثاني القادم: ننتقل لكواليس كباش واشنطن_طهران الصاخب حول “اتفاق الإطار”، والواقعية السعودية بعهدها الدبلوماسي الجديد، وملامح العهد الرئاسي للرئيس جوزيف عون، والهواجس الوجودية للأقليات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top