في نزع الاشواك وعبور حقول الألغام

بقلم د. طلال خواجه

لم يكن أحد يتوقع تأييدا شاملا و جارفا لاتفاق الإطار الموقع بين إسرائيل و لبنان برعاية أميركية في واشنطن والذي أعقب مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الموقعة عن بعد في ايفيان من قبل الرئيس ترامب و في طهران من قبل الرئيس بزشكيان.

إتفاق الإطار أداره جوزيف عون بالتعاون مع نواف سلام و هما القادمان من خلفيات شخصية و ثقافية مختلفة.

أحدهما عسكري من قرية جنوبية قاد الجيش اللبناني في مرحلة فائقة الصعوبة، شهدت مسلسلا من الأزمات والإنهيارات و المقايضات وإختراقات خطيرة في بنية الدولة العميقة، و تخللها انتفاضة ١٧ تشرين و تفجير المرفأ و جائحة كورونا و إسناد غزة و ما استدرجته من حرب وحشية مدمرة قبل أن ينتخب رئيسا للجمهورية بعد اضطرار حزب الله و راعيه الإيراني في مرحلة الهبوط على إلغاء حجز المقعد الرئاسي لزعيم المردة كما حجزوه سابقا للعماد ميشال عون في مرحلة صعود الحزب الإيراني و هبوط الدولة.

أما الثاني فهو أستاذ جامعي و قاض و دبلوماسي و ناشط سياسي من العاصمة بيروت، تأبط في شبابه أفكار اليسار في التغيير الثوري و الديمقراطي لبنية النظام الطائفي اللبناني، و حملته قضية العدالة عموما و في فلسطين خصوصا إلى المشاركة في مواجهة الإحتلال و الأخطار الصهيونية، مقاوما في لبنان و مفاوضا صلبا في الأمم المتحدة وقاضيا جريئا في رأس الهرم العدلي في العالم، قبل أن يصبح رئيسا للوزراء من خارج الصندوق في لحظة سياسية فارقة.

لم يملك الرجلان قوة شعبية، طائفية او مناطقية تسندهما مباشرة. كما أن مسيرة العمل الوطني و الديمقراطي العابر للطوائف و المناطق شهدت انتكاسات قوية بعد تعثر أهم انتفاضتين لبنانيتين في التاريخ الحديث، إنتفاضة ١٤ آذار السيادية التي أخرجت قوات الوصاية السورية بعد اغتيال الشهيد الحريري وانتفاضة ١٧ تشرين الإجتماعية التي وحدت الساحات و عبرت الطوائف و المناطق والأفكار، قبل أن تتعرض للبطش والقمع و الإختراق.

و مع ذلك فقد أنعش وصول الرجلين جوهر الانتفاضتين، و هو ترميم الدولة المنهكة لتصبح سيدة حرة تقوم على الدستور والقانون و حصرية السلاح و تبسط سيطرتها على كامل التراب الوطني بقواها الشرعية و تقوم بالإصلاحات الإدارية و الإقتصادية و النقدية و المالية و تحارب الفساد على أنواعه، بما فيه الفساد المصرفي المتواطئ مع الفساد السياسي و المافيوزي في التهام ودائع اللبنانيين، كما تعزز الإنفتاح والتعاون مع الأشقاء العرب و طبعا مع الشقيق السوري المتطلعة قيادته الجديدة لعلاقات ندية و ودية لمصلحة البلدين الجارين، بعد أن استبطنت هذه العلاقات عقودا من الأسى والقهر، خصوصا خلال حكم الأسدين، ما عاكس الطبيعة التاريخية للشعبين الشقيقين.

لم تكد حكومة سلام تقوم ببعض الخطوات الإصلاحية التي استنفرت جماعة المصارف و حلفاءهم في الطبقة السياسية، و لم تكد تبدأ باتخاذ القرارات السيادية في حصر السلاح و انتشار الجيش بدء من جنوب الليطاني، و لم تكد تبدأ بلملمة بعض ما خلفته حرب إسناد غزة و إعطاء دفعة أمل للجنوبيين المنكوبين،حتى أدخل حزب الله البلد في مغامرة جديدة ثأرا للخامنئي و إسنادا لإيران، غير عابئ بما ستجره من ويلات على البلد عموما و على البيئة الشيعية خصوصا.

رغم أن اتفاق الإطار حفظ المصالح الأساسية للبنان، خصوصا لجهة الإعتراف الإسرائيلي بالحدود اللبنانية و الإنسحاب أو إعادة التموضع خارج هذه الحدود و طي سردية الأطماع و بسط سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية و عودة الجنوبيين إلى قراهم و إعادة الإعمار و ما إلى ذلك، إلا أنه عكس بمندرجاته و سياقاته ميزان قوى مختل جذريا و واقعا كارثيا على الارض. وقد بدا للمسؤولين أن لا بديل منظور سوى خراب البصرة.

لن يسقط الإتفاق رغم كثرة الضجيج، و رغم أن التأييد الإجمالي العربي و الإقليمي و الأروربي ينتابه الترقب، ربما بسبب الحذر من إيران و التوجس من أهداف التوحش الإسرائيلي و من التفرد الأميركي.

و مع أن التأييد الداخلي للإتفاق يبدو غالبا رغم حشد الإعتراضات والمعارضات، ذلك أن اللبنانيين قد سئموا الحروب المفروضة عليهم، إلا أن الوحدة الداخلية تعاني من تشققات و تصدعات فئوية في مقاربة القضية الوطنية و العقد الإجتماعي و طبيعة الإنتماء للعالم العربي. فبينما حزب الله يحتجز طائفة بكاملها و يضعها في خدمة مشغله الإيراني واضعا كل البلد في الحجز عمليا، نرى أن بعض القوى المسيحية تتفتق قريحتها عن حلول فدرالية سوريالية، مستعيدة سرديات تضعها في موقف التعالي و الصفاء اللبناني المبتعد واقعيا عن العروبة الثقافية و نظام المصلحة العربية.

وغني عن البيان أن شرائح كثيرة من الطائفة السنية قد ضاقت ذرعا من التهميش و الاستضعاف، علما أن الواقع الجيوسياسي الإقليمي والعربي يتغير لصالح دور سني متصاعد في تحولات المنطقة.

هكذا نرى أن اتفاق الإطار هو بداية الطريق الطويل و المزروع بالأشواك و الألغام و الاستحقاقات الكثيرة، يتقدمها مفاوضات تحويل مذكرة التفاهم الإيراني الأميركي إلى اتفاق، فضلا عن الإنتخابات الأميركية و الإسرائيلية.

و ربما آن الأوان لتشكيل كتلة وطنية ديمقراطية مستقلة تضع برنامجا وطنيا، موحدا و توحيديا، يقوم أساسا على استعادة الدولة السيدة الحرة المستقلة، المتسلحة بالدستور، و صاحبة الرئي والقرار و السلطة على كل البلد و على بشره. عل هذه الكتلة تشكل قاطرة تحشد اللبنانيين حول البرنامج الوطني الديمقراطي و تسند الدولة في رحلتها الخطرة في نزع الاشواك و عبور حقول الألغام.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top