كيف يُعرّي كأس العالم صراع التعددية العرقية؟

بقلم الياس عيسى الياس

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تدور في فلك المستطيل الأخضر، بل تحولت في تقديري إلى واحدة من أعقد المؤسسات السياسية في عصرنا. ولأنني من أولئك الذين يتابعون مباريات كأس العالم واحدة واحدة، متحملاً مشقة التوقيت غير المناسب، أجدني مدفوعاً لمراقبة ما هو أبعد من حركة الكرة. تُرى، كيف ينعكس هذا المزيج البشري في المنتخبات على بنية المجتمعات الحديثة؟
 
تستند هذه القراءة حصراً إلى عينة من المنتخبات المتأهلة لدور الستة عشر في نسخة 2026 الحالية، وهي: كندا، الولايات المتحدة، الأرجنتين، الباراغواي، فرنسا، والمغرب؛ بوصفها نماذج عينية تكشف سياسات الدمج والإقصاء. ولتفكيك هذه الظاهرة، يمكن الاستعانة بنظريات علم الاجتماع السياسي، وتحديداً من خلال توظيف أفكار زيجمونت باومان حول”السيولة” وتداخل الانتماءات في الحداثة السائلة، ومفهوم “الجماعات المتخيلة” لبينيديكت أندرسون الذي يشرح كيف تبني الدول قوميتها عبر الرموز الرياضية.
 
تكشف التجربة أن التنوع الثقافي في أمريكا الشمالية يختلف جذرياً عن نظيره الأوروبي. ففي كندا والولايات المتحدة، لا تشكل هذه التعددية عبئاً تاريخياً أو نتاجاً كولونيالياً، بل هي اللبنة الأولى لتأسيس الدولة.
 
تبنت كندا التعددية كسياسة دستورية رسمية منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو توجه ينعكس في فريقها الوطني الذي يضم لاعبين من أصول إفريقية وآسيوية يمثلون الدولة بلا ضغوط لصهر خصوصياتهم. وفي الولايات المتحدة، تتجسد فكرة “بوتقة الانصهار” في المنتخب الكروي؛ حيث يمتزج اللاعبون ذوو الأصول اللاتينية والإفريقية في توليفة تعمل كأداة للترقي الاجتماعي ومؤشر على الحيوية الأمريكية، بدلاً من التعامل مع الاختلاف كمهدد ثقافي.
 
بالمقابل، تقف الأرجنتين كاستثناء لافت في أمريكا اللاتينية بسبب غيابالتنوع العرقي البصري في منتخبها. ثمة حذر شديد يفرضه المؤرخونالمعاصرون عند تفكيك هذا المشهد؛ فالأمر ليس مجرد مخطط ممنهج كماتذكر بعض الأدبيات الساعية لتفسير غياب المكون الإفريقي عبر ربطهبالتكلفة الديموغرافية لحرب الباراغواي والأوبئة في القرن التاسع عشر.
 
يبدو المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تداخلت فيه عوامل دمج اجتماعي وتزاوجواسع، تزامن مع سياسات نشطة لتشجيع الهجرات الأوروبية. وبغض النظر عن هذا الجدل التاريخي، فإن المنتخب الأرجنتيني ارتبط تاريخياً بصورة أمة ذات ملامح أوروبية خالصة في قلب القارة اللاتينية.
 
وعلى خارطة الجغرافيا نفسها، تقدم الباراغواي مساراً مغايراً تماماً لتجربة جارتها الأرجنتينية. يعكس فريق الباراغواي حضور الإرث الغواراني بصورة واضحة، كنموذج للمجتمع الهجين والمتجانس في آن واحد.
 
والباراغواي تمثل حالة فريدة في القارة؛ إذ يتحدث شعبها بمختلف طبقاته الاجتماعية لغة السكان الأصليين كشريك رسمي للإسبانية. هذا الحصن الثقافي ينتقل إلى أرض الملعب؛ حيث يبرز استخدام اللاعبين للغة الغواراني كرابط جمعي وعفوي غير قابل للاختراق من قِبل المنافسين، مما يحول الهوية اللغوية والرياضية إلى أداة اعتزاز بالذات المحلية.
 
أما في الملاعب الأوروبية، فيرتبط جانب مهم من تنوع المنتخب الفرنسي بالإرث الاستعماري والهجرات اللاحقة. وهنا يصطدم مفهوم “الجماعة المتخيلة” لبينيديكت أندرسون —والذي تحاول السردية السياسية تسويقه كنسيج وطني منسجم خلف الشعار— مع النموذج اليعقوبي الصارم للدولة الفرنسية الذي يطالب بصهر الجميع في مواطنة علمانية واحدة.
 
هذا التعارض البنيوي يخلق فجوة وتوترات مستمرة بين واقع المعيش للاعبين في الضواحي الفقيرة، والخطاب الجمهوري الرسمي. وينطبق هذا السياق بدرجات متفاوتة على منتخبات أوروبية أخرى كإنجلترا وبلجيكا، حيث تعكس التشكيلات الرياضية خريطة التوسع الإمبراطوري القديم.
 
لكن، هل يسلم هذا التنوع من السهام السياسية؟ تكشف المقارنة السوسيولوجية أن هذا التعدد يتعرض لهجوم مستمر من قِبل بعض التيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا، لأن نجاح المهاجرين ينسف أطروحة النقاء الثقافي.
 
ولكي يتعامل هذا اليمين مع مأزقه، طور ما أسميه “المواطنة المشروطة بأمرالساحة”، لأنها لا تُمنح بوصفها حقاً دائماً، بل امتيازاً مؤقتاً مرتبطاً بنتيجة المباراة. عندما ينتصر الفريق، يصبح اللاعب ذو الأصول المهاجرة ابناً باراً للبلد، أما عندما يهزم، فيتحول فوراً إلى أجنبي متخاذل يُلقى عليه لوم الفشل.
 
ولعل الهجوم العنصري العنيف الذي تعرض له نجوم المنتخب الإنجليزي، مثل ساكا وراشفورد وسانشو، عقب إخفاقهم في ركلات الترجيح في نهائي”يورو 2020″ يمثل الشاهد الأبرز. ففي غضون دقائق، تحول هؤلاء الشباب من رموز لإنجلترا الجديدة إلى أهداف مستباحة لخطاب الكراهية. هذا القبول المشروط يثبت أن الانتماء هناك يظل قابلاً للتبخر بحسب النتيجة الرقمية للمباراة، وهو ما يجسد تماماً أزمة السيولة الهوياتية.
 
في مقابل هذا الانغلاق، يوحي نموذج المنتخب المغربي بقراءة مختلفة تعبر بعمق عن مفهوم الوطنية العابرة للحدود. تكشف الأرقام والوقائع المعاصرة، الممتدة منذ ملحمة مونديال 2022 وحتى بطولة 2026 الحالية، أن غالبية قوام الفريق الأساسي هم من لاعبين ولدوا ونشأوا وتلقوا تكوينهم الرياضي خارج الحدود المغربية، وتحديداً في المدارس الأوروبية.
 
وتحمل هذه الحالة دلالتين؛ أولاهما أنها تتحدى الجغرافيا التقليدية، وتثبتأن الانتماء خيار وجودي واعٍ ورابط عاطفي يتجاوز المسافات الفيزيائية ليصنع جماعة عابرة للقارات. والدلالة الثانية هي قلب المعادلة التاريخية لتصدير الكفاءات؛ فبينما كانت دول الشمال تستنزف طاقات الجنوب، تقلب الحالة المغربية هذه الصيغة، مستفيدة من البنية التحتية والتكوين الأوروبي لبناء منتخب وطني ينافس تحت الراية والسيادة المغربية.
 
في الختام، يظهر لي بوضوح أن منتخبات كرة القدم لم تعد مجرد انعكاس مرآتي بسيط للمجتمعات، بل هي مؤشرات تكشف الصراعات الخفية حول الانتماء. تشهد الملاعب صراعاً مستمراً بين مفهومين للمواطنة في عصر العولمة؛ المفهوم العضوي القائم على الدم والأرض وسرديات النقاء، والمفهوم السائل القائم على الاختيار العاطفي العابر للحدود.
 
إن ملاعب كرة القدم قد تحولت إلى خط الدفاع الأول في معارك السياسة والثقافة، وساحة مفتوحة لإنتاج “المواطنة المشروطة بأمر الساحة”. ففي كل مرة تنطلق فيها صافرة البداية، لا تبدأ مباراة كرة قدم فقط، بل يبدأ أيضاً استفتاء جديد على معنى الأمة في القرن الحادي والعشرين.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top