
بقلم خالد صالح
لم تكن مشكلتنا يومًا مع “الديموقراطية” كمفهوم، فهي ليست هناك من الأساس، مشكلتنا تكمنُ في اللغة التي استخدمناها كي نفهم “المصطلحات المستوردة”، لأننا عملنا طوال عمرنا على “الحيلة اللغوية”، أخذنا الكلمة وتركنا كل الحكاية التي تلتها، تكلمنا بـ “الديموقراطية” كأنّها “وصفة” جاهزة كـ “علبة الدواء” نستوردها ونستخدمها وانتهى الأمر ..
لكن “الديموقراطية” الفعلية والحقيقية ليست على هذه الصورة إطلاقًا، “الديموقراطية” ليست كلمة بل “نتيجة”، نتيجة تاريخ طويل ومعقّد ومليء بالصراعات، وإذا أردنا أن نتحدّث بوضوح وصراحة متناهية، أوروبا لم تصل إلى “الديموقراطية” لأنها قررت فجأة أن تستيقظ من النوم وتقول للعالم نحن “ديموقراطيون”، أوروبا بلغت الديموقراطية بعد قرون من الفوضى والصدامات والتجارب القاسية .
يجب أن نقرأ التاريخ بدقة كي نرى كيف الكنيسة صارعت الملوك، والملوك الذين كانوا يحكمون بـ “أمر إلهي” مطلق، وإقطاع يضغط على الناس، مفكّرون يكسرون كل هذه المسلّمات، من هوبز ولوكو وروسو، إلى فولتير وهوغو وغيرهم، بالإضافة إلى ثورات دينية من مارتن لوفر وصولًا إلى الكالفينية، وبعدها ثورات سياسية، الثورة الفرنسية، الباستيل وماحصل فيه، حتى بعد الثورة الفرنسية عادوا إلى واقع “الديكتاتورية” تحت مسمّى “الجمهورية”.
يعني “الديموقراطية” نفسها لم تأتِ هكذا وليدة صدفة أو على طبق من ذهب، بل مرّت عبر “المارنا كارتا” وعبر “الثورة الصناعية” وعبر “النقابات” وكيف تشكّلت بداياتها في ظل الظروف السائدة حينها، حول صراع العمال وأرباب العمل، وحول مبدأ الحقوق والواجبات وهذه قصة تحتاج لوحدها إلى دراسات معمّقة، كل هذا الأمر هو عبارة عن “تراكمات” وليس مجرّد قرار لحظي ..
السؤال: نحن في بلادنا ماذا فعلنا؟ .. بكل بساطة أخذنا النتيجة وتركنا المسار، أخذنا كلمة “الديموقراطية” وتجاهلنا مبدأ تكوينها، وصرنا نعتقد أننا إذا أنشأنا “برلمان” شكله مميز وتوزيعاته جيدة، أو كتبنا دستور منمّق وفصلنا بنوده تفصيلًا راقيًا، انتهى الأمر وأصبحنا “ديموقراطيين”، وهنا تكمن المشكلة !! ..
“الديموقراطية” ليست شكلّا منمقًا وجميلًا، بل هي بيئة حاضنة، هي ليست مؤسسة بل “ثقافة”، الديموقراطية ليست نصًّا بل علاقة معقّدة ومتشابكة بين الناس والدولة، ماحدث لدينا يُشبه تمامًا ذلك الذي أحضر “نبتة” فريدة من غابات “الأمازون” وأراد زرعها في صحراء “الربع الخالي”، إما الصحراء ستتحول إلى غابات خضراء أو النبتة ستموت بسرعة، ونحن لانرال حتى اليوم نستغرب لماذا “النبتة” لم يُكتب لها الحياة وتموت فورًا ..
مسالة “الديموقراطية” في بلدنا صارت “وجهة نظر” كلٌّ يُفسرّها على مقاسه وهواه، لامبادىء واضحة في ممارستها أو تطبيقها أساساتها !!، تحوّلت إلى “أقنعة” من مختلف المقاسات والألوان، الكل يتحدّث باسمها، لكن لا أحدَ يطبقها فعليًا على أرض الواقع، أليس هذا ما شاهدناه في الجلسات الأخيرة لـ “البرلمان” “الموقّر والجميل”؟، المشاريع التي تتناسب ورؤية الكتل والأحزاب والبيئات المنتمية لها، تسير ” ويخزي العين” كالماء على صفيحة صخرية، أما التشريع الحقيقي الذي يقوي ركائز الدولة ويثبت مفاهيمها، فريق يعترض، وفريق يقاطع، فريق يدافع وآخر يهاجم، والكل باسم “الديوقراطية” ..
“الديموقراطية” لدينا “استنسابية” لاقواعد واضحة لها، لاقواسم مشتركة متفق عليها، وهذا مابدا جليًّا في مناقشات قانون “العفو العام” أو في مسألة الامتحانات الرسمية وغيرها من المحطات، التي تشدّقوا فيها بـ “الديموقراطية” وهم منها براء، الكل يطالب بالتغيير في الأداء لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في العقلية التي تُدير، لأنَّ التغيير والخسارة يسيرانِ معًا جنبًا إلى جنب، فلا يسَعُنا أن نُحدِثَ أيَّ تغيير من دونِ خسارة، الأمرُ الذي يدفعُ بكثيرينَ إلى التأكيد على أنهم يريدون التغيير، لكنهم مع ذلك لا يبرَحون مكانهم، و لا يتغيّرون، لأنهم يهابون الخسارة ..
لقد اختصرنا “الديموقراطية” في بلادنا بـ “حُكم الأغلبية”، هذا يصلحُ فقط إذا كانَ هناكَ احترامٌ للحقوقِ الفردية، فمن غيرِ المعقولِ أن تجمعَ خمسةَ ذئابٍ وخروف، ثم تأخذُ رأيَ الأغلبية عمَّن سيأكلونَ في العشاء ..
“الديموقراطية” صباغ فاقع استطاع سياسيو البلاد تزيين حركاتهم بهذا المصطلح، لكنهم في وادٍ وهي في وادٍ آخر ..
