
بقلم نزار شاكر
العتبة والمشهدية – التناقض بين ليلة التفجير ودفء السمر
لم يكن يوم الثلاثاء، الثامن من تموز/يوليو 2026، يوماً عادياً في العاصمة السورية؛ بل كان تجسيداً حياً للتناقضات الجيوسياسية التي تعيشها المنطقة. فوفقاً للبيان المشترك الصادر عن الإليزيه ودمشق ليلاً، وفي الوقت الذي دوّى فيه انفجاران عنيفان بالقرب من فندق “الفورسيزنز” في قلب دمشق، كان موكب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد غادر المكان قبل لحظات فارقة، متوجهاً نحو القصر الرئاسي للقاء نظيره السوري أحمد الشرع.
الصورة التي نشرتها الرئاسة من كواليس القصر لاحقاً جاءت على نحو يكسر كل قوالب الجمود البروتوكولي المعتادة، حيث تعمدت إظهار تفاصيل تعزز هذا التوجه؛ إذ ظهر ماكرون بلباس “سبور” حر وعملي، يجلس في جلسة سمر حميمة غير رسمية مع الشرع. غابت الطاولات المستطيلة الصارمة، واختفت الوفود المصطفة والبيانات الجافة، ليحل محلها مشهدٌ يستدعي بوعيٍ مضمر إرثاً تاريخياً قديماً وروابط ثقافية تعرف باريس تضاريسها جيداً، لتدخل اليوم من بوابتها العاطفية والرمزية.
خلف هذا الدفء الرمزي، لم يتأخر التعليق الفرنسي؛ إذ سارع ماكرون عبر منصة “إكس” لإرسال رسالة مشفرة بعيد التفجير مباشرة، قائلاً: “نحن لسنا سذّجاً بشأن المخاطر، لكنها تتم إدارتها”، مشيداً بما وصفه بـ “كرامة وشجاعة وتصميم” السوريين الذين التقاهم. هذا التوظيف للسيميائية البصرية ليس عفوياً، بل هو استدعاء رمزي مقصود يعلن فيه الإليزيه أن باريس لا تحتاج إلى “إذن دخول” إقليمي لتستذكر روابطها في المشرق، لكنها هذه المرة لا تأتي كقوة انتداب تقليدية، بل تحضر ضمن قراءة مشهدية تبدو فيها كـ “شريك مضارب” يسعى لأن يحجز مقعده مبكراً على طاولة صياغة سوريا الجديدة.
التموضع الجديد – استعادة الرونق المفقود خارج العباءة الغربية
هذا الانفتاح الفرنسي لم يولد من رحم المصادفة، بل هو نتاج مسار تراكمي بدأ منذ استقبال الشرع في قصر الإليزيه في أيار/مايو 2025؛ لتصبح باريس أول عاصمة غربية تكسر العزلة الدبلوماسية عن دمشق منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024. واليوم، تأتي زيارة ماكرون كأول خطوة لزعيم أوروبي إلى دمشق منذ عام 2009، لترد الزيارة وتثبّت هذا المسار.
طوال السنوات الماضية، بدت الدبلوماسية الفرنسية تائهة وهامشية في المشرق العربي، مكبلة بين النفوذ التركي شمالاً، والاتفاقيات الروسية أمنياً، والتمدد الميداني الإيراني. واليوم، تمنح المعطيات السياسية مؤشراً على أن هذا التحرك يمثل إعلاناً فرنسياً صريحاً بالخروج من مقعد المتفرج. وقد تُرجم هذا التوجه في الموقف الرسمي للإليزيه الذي أكد دعم فرنسا لبناء سوريا جديدة؛ حرة ومستقرة وذات سيادة، تحترم جميع مكونات المجتمع.
هذه هي المقاربة الفرنسية المتجددة: تقديم “البديل المرن” الحامي للتنوع داخلياً، والذي يمنح السلطة الانتقالية في دمشق الغطاء الدولي والشرعية السياسية التي تحتاجها بشدة لفك العزلة، مقابل نفوذ ناعم ورصين لباريس في قلب الشام.
مطبخ الريالبوليتيك – الاستثمار في الفراغ الجيوسياسي الدولي
إن الرسائل الأمنية المتفجرة في محيط وزارة السياحة والمتحف الوطني، والتي أسفرت عن إصابة 18 شخصاً، لم تنجح في حجب النواة الصلبة للزيارة. بل على العكس، أكدت التحليلات أن استهداف العاصمة أثناء التجهيز لتفكيك العبوات الناسفة يعكس حاجة دمشق الماسة لشركاء دوليين وازنين لضبط الاستقرار الإقليمي.
ومن وسط هذا الدخان، ومنطلقاً من الحسابات الباردة، انكب الوفد الفرنسي الرفيع على صياغة معادلات “الريالبوليتيك” الجافة، عبر توقيع حزمة من الاتفاقيات الاستراتيجية الحيوية:
- شراكة لوجستية سيادية: منح مجموعة CMA CGM العالمية، بقيادة رودولف سعادة، حقوق إدارة وتشغيل مطار دمشق الدولي، لتتحكم باريس بذلك بشريان الدخول والخروج الأول لسوريا.
- اتفاقيات ثنائية موسعة: إبرام 15 اتفاقية شملت قطاعات الطيران المدني، الصحة، الصيرفة، وإمدادات المياه البنيوية.
- أمن الطاقة: حضور لافت لشركة TotalEnergies في إشارة واضحة لرغبة الرأسمالية الفرنسية في حجز حصتها السيادية من الغاز والنفط السوري.
- ملف الأصول المصادرة: تفعيل آليات استرداد أكثر من 51 مليون يورو من أصول عائلة الأسد (رفعت الأسد) لصالح الخزينة السورية الجديدة، في سابقة هي الأولى من نوعها لإعادة أموال العائلة إلى خزينة الدولة.
هنا يكمن الجوهر الحقيقي للمشهد الحالي؛ فالولايات المتحدة وإيران غارقتان في دوامة استنزاف متبادل وضربات إقليمية مستمرة، وروسيا منهكة في المستنقع الأوكراني وتاركةٌ خلفها فراغاً اقتصادياً هائلاً في دمشق. استغل ماكرون ببراغماتية عالية هذه المساحة الرمادية الدولية؛ ومقابل تقديم الاعتراف السياسي والدعم الأمني المحتمل عبر خبراء فرنسيين لمكافحة الإرهاب، يرى مراقبون اقتصاديون أن باريس وضعت قدماً راسخة تسعى من خلالها لانتزاع مفاتيح الاقتصاد والقطاعات السيادية عبر تحقيق موطئ قدم واسع ومؤثر، حيث تقاطعت حاجة سوريا الوجودية للانتعاش وفك الحصار، مع رغبة فرنسية في بناء نفوذ واقتصاد يحمل سمات الهيمنة الاقتصادية الناعمة.
الخلاصة التركيبية – حصاد المعادلة والاستشراف الهش
في المحصلة، كانت تلك الليلة عبارة عن صراع إرادات؛ إذ تزامنت طيات المشهد مع تفجير ميداني يمكن قراءته كأنه عائق حاول إجهاض عودة دمشق إلى المنظومة الدولية. وفي المقابل، برزت جلسة سمر حميمة نجحت بدلالاتها الرمزية في تثبيت هذه العودة وصياغة شروطها.
السمر العاطفي واللباس “السبور” لم يكونا سوى الغلاف الدبلوماسي الأنيق الذي يغطي نواة صلبة من المصالح والمكاسب المتبادلة: شرعية سياسية فرنسية لدمشق، مقابل عقود استراتيجية واقتصادية لباريس تمثل في جوهرها اتفاقيات واسعة ومؤثرة. وتأسيساً على هذا السياق، تشير القراءة الاستشرافية إلى أن ماكرون نجح في اللعب بذكاء خارج العباءة الأمريكية، مستغلاً لحظة الانشغال الدولي الكبير ليعيد لبلاده وزنها القديم، في حين قدم الشرع بلاده كبوابة استثمارية واعدة واضعاً فرنسا في موقع “الشريك الأساسي” لإعادة الإعمار.
بعد 100 عام على الانتداب، عادت باريس إلى الشام لا بالبوارج، بل بالعقود. ومع ذلك، يظل التساؤل الاستراتيجي قائماً: هل ستصمد هذه المرونة الدبلوماسية الفرنسية وقدرة دمشق البراغماتية أمام “فيتو الميدان” المتفجر، أم أن تفاصيل دمشق المعقدة ستبقى دائماً أوسع وأعمق من حسابات الإليزيه؟ وبينما تعود باريس إلى دمشق عبر بوابة الاستثمار، يبقى السؤال اللبناني معلقاً: هل سيكون للبنان العرض نفسه، أم سيبقى خارج حسبة إعادة الإعمار؟ إذ يرى مراقبون أن الانفتاح الفرنسي الجديد على الشام قد يقلب أوراق الملف اللبناني المترابط حكماً مع تضاريس المشهد السوري، ليعيد لبيروت دورها كشريان اقتصادي متمم أو يتركها أسيرة الانتظار.
