
بقلم الياس عيسى الياس
قبل دقائق من صافرة البداية، كنتُ أراقب مشهداً التقطته الكاميرات وبقي عالقاً في الذاكرة؛ آلاف المشجعين في المدرجات لم يكونوا ينظرون إلى المستطيل الأخضر، بل كانت عيونهم معلقة بشاشات هواتفهم، يتابعون بقلق أرقاماً تقفز بجنون على تطبيقات إعادة بيع التذاكر.
في تلك اللحظة تحديداً، أدركتُ أن المباراة الحقيقية كانت قد بدأت قبل أن تلمس أقدام اللاعبين العشب. لم نعد أمام بطولة رياضية. نحن أمام أحد أغلى المزادات في تاريخ صناعة الترفيه.
الرقم صاعق: أحد عشر ألفاً وثلاثمائة وسبعة وعشرين دولاراً لحضور نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين. لم يعد الأمر يتعلق بلعبة الفقراء التي كبرنا عليها؛ فقد فرضت السوق الأميركية شروطها بالكامل عبر ما يُعرف بـ”التسعير الديناميكي”.
حتى رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، دافع عن هذا المنطق التسويقي معتبراً أن هذه الأسعار تناسب طبيعة السوق، وأنه لو طُرحت التذاكر بسعر أقل لذهبت الأرباح إلى جيوب المضاربين بدلاً من خزائن الاتحاد. بل إن الأمر وصل إلى تسعير قطعة من عشب الملعب بآلاف الدولارات.
وفي مفارقة لافتة، بينما كانت الفيفا تبحث عن تعظيم الإيرادات، كانت الطبيعة تفرض حضورها بطريقة أكثر قسوة؛ إذ غطى دخان حرائق الغابات الكندية سماء نيويورك ونيوجرزي عشية النهائي، لتتابع السلطات الصحية ومسؤولو الفيفا تطورات جودة الهواء.
مفارقة كشفت الفجوة بين انشغال المسؤولين بتسويق اللعبة وعجزهم أمام تحديات البيئة.
وإذا كانت السوق قد غيّرت طريقة دخول الجماهير إلى الملاعب، فإنها غيّرت أيضاً الطريقة التي أصبحوا يشاهدون بها اللعبة. خذ مثلاً تحول الحالة المزاجية تجاه المنتخب الأرجنتيني؛ إذ تحول الفريق ومعه ليونيل ميسي لدى قطاع من المتابعين إلى مادة لـ “المشاهدة بدافع النكاية”.
انتظر الكثيرون لحظة السقوط بدلاً من البحث عن المتعة الكروية.
ولعل السبب الأكبر في هذا الاستقطاب يكمن في تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) والجدل الممتد حول أساليب اللعب؛ إذ وصفت صحيفة “ذا تليغراف” البريطانية مجريات مباراة الأرجنتين وإنجلترا في نصف النهائي بأنها انطوت على أساليب تكتيكية مستفزة، واصفة الأرجنتين بـ “أساتذة الفنون المظلمة في كرة القدم”.
لكن التقنية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع التقاط كل ما يحدث داخل النفس البشرية أو بين اللاعبين في لحظة احتكاك. هي تمنح صورة دقيقة للحظة، لكنها تنتزعها من سياقها الكامل.
ما تنبّهت إليه دراسات أخلاقيات الرياضة هو أن العرض بالسرعة البطيئة (Slow Motion) يشوّه طبيعة الالتحام البدني؛ فالإعادة البطيئة تجعل التلامس الطبيعي يبدو كأنه اعتداء وحشي متعمد، مما يضع الحكام والجماهير تحت ضغط وهم بصري.
وهو التناقض نفسه الذي دفع النجم السابق روي كين إلى مهاجمة القراءات الإنجليزية للمباراة. فقد اعتبر أن الاختباء خلف الشكوى من “الفنون المظلمة” واللافتات ليس سوى هروب من الاعتراف بالخسارة لأسباب تكتيكيةبحتة، وهو نوع من الغرور الرياضي الذي يعجز عن التعامل مع ضغوط المواعيد الكبرى.
غير أن الوجه الأكثر قتامة في هذا المونديال لم يكن في التكتيك، بل في تجدد المظاهر العنصرية. وهي لم تتوقف عند الإهانات الفجة على وسائل التواصل، بل تبدّت في خطابات ناعمة تبدو في ظاهرها تحليلاً وفي باطنها سمّاً بطيئاً.
يتجلى ذلك في تصريحات نُسبت للنجم الألماني السابق باستيان شفاينشتايغر قبيل مواجهة ساحل العاج، فُهمت باعتبارها تعيد إنتاج صور نمطية تختزل الكرة الأفريقية في القوة البدنية والعشوائية، متجاهلة البصمة التكتيكية العالية التي قدمتها المنتخبات الأفريقية في هذه البطولة.
ولم تقف الملاعب عند حدود التنافس الرياضي، بل تحولت إلى منصات مفتوحة تُسقط عليها الجماهير واللاعبون أزمات الهوية والقضايا السياسية والتاريخية المتشابكة.
إذ نبش مناهضون للتمييز في التركيبة الديموغرافية التاريخية للأرجنتين، في حين تداولت وسائل إعلام تقارير عن رفع لاعبي الأرجنتين لافتة حولجزر الفوكلاند بعد مباراتهم أمام إنجلترا.
وفي سياق آخر، بدا الحضور المكثف للقضية الفلسطينية وأحداث غزة بارزاً في وجدان الجمهور العربي، ليعيد إلى الأذهان أن الكرة أصبحت مساحة لإشهار المواقف الإنسانية والسياسية المعقدة.
ولم يتوقف الإرباك عند السياسة والتاريخ، بل طال مفهوم “الوطنية الكروية” نفسه؛ مع اعتماد منتخبات كالمغرب والجزائر على قوام أساسي من لاعبين وُلدوا وتأسسوا في أوروبا، وهي حقيقة فككت الشعارات الضيقة التي تحاول استخدام الكرة كرافعة لأيديولوجيات قديمة.
كل هذه التجاذبات الممتدة من الهوية إلى السياسة لا تحدث مصادفة؛ بل لأن كرة القدم المعاصرة باتت تبيع في جوهرها “اقتصاد الانتباه”.
فالصناعة الحديثة تكافئ السجال والاستقطاب لأنهما يطيلان زمن المشاهدة ويزيدان التفاعل الرقمي؛ ولذلك تحول الضجيج عقب الصافرة إلى مورد اقتصادي يضمن بقاء الجماهير مشدودة إلى المنصات الرقمية.
وسط هذا الركام المعقد من المليارات والسياسة، اخترتُ أن أعيش هدوء النهائي في زاويتي الخاصة حول الشاشة مع عائلتي؛ مع زوجتي وابنتي كلارا وابني شربل وهم في أوج حماسهم.
وعلى بُعد خمسين متراً فقط، كان جاري يشيّد ملعبه الخاص؛ إذ نصب شاشة عملاقة وأطلق العنان لمكبرات الصوت والآلات الشعبية، ليحيل الحي بأكمله إلى مدرج مونديالي مفتوح!
ومع انطلاق صافرة النهاية، سألتُ نفسي: لماذا لا نزال نحب هذه اللعبة إذن رغم كل هذا الضجيج؟
الجواب لم أجده في أروقة الفيفا الباردة، بل في هذا الشغف العفوي. حين أراقب حماس شربل ودهشة كلارا وهما يلاحقان الكرة بأعينهما البكر، أدرك أن اللعبة تتسلل إلى وجدانهما بذات الطريقة التي كبرنا عليها، بعيداً عن أرقام البورصة وخوارزميات الفضاء الرقمي.
كرة القدم في جوهرها سينما واقعية لا تموت. نصها لا يكتبه مخرج في هوليوود، بل تكتبه مشاعر طازجة من الفرح العارم والحزن النبيل.
انتهت البطولة كما انتهت سابقاتها، بفوز إسبانيا بهدف وحيد وتتويجها للمرة الثانية بكأس العالم، لكن ما سيبقى ليس أسعار التذاكر ولا ضجيج الجدل، بل الذكريات التي نصنعها معاً.
