مصافحة في البيضاوي وغبار في الجنوب: هل ينجو لبنان من “المقايضة الأكبر”؟

بقلم إلياس عيسى الياس

لم تكن مجرد صورة بروتوكولية في المكتب البيضاوي، ولا حتى المشهد السريع في مطار واشنطن الذي أثار سجالاً في بيروت حول حجم الحفاوة ومستوى الاستقبال.
 
أن يطأ رئيس لبناني هذا البساط مجدداً وللمرة الأولى منذ عام 2009، فهذا يعني أن واشنطن قررت نقل الملف اللبناني من رفّ الانتظار إلى طاولة تفاوض تقوم على المقايضة أكثر من المجاملة الدبلوماسية.
 
فالبرود الإداري الذي قرأه البعض في شكل الاستقبال لا ينفصل عن جوهر الزيارة نفسها.
 
لم يحمل عون إلى البيت الأبيض شعارات السيادة التقليدية، بل جاء بجد ولأعمال حذر يهدف إلى تفكيك الأزمة خطوة بخطوة.
 
من هنا، يمكن قراءة إعادة انتشار الجيش في زوطر الغربية كاختبار أولي لرصيد الثقة، لقياس مدى استعداد إدارة ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيولفك الحظر المالي عن المؤسسات المنهكة، والتمهيد لرفع الفيتو عن مساعدات صندوق النقد والدعم الخليجي المرتقب.
 
ولم يطل انتظار الترجمة العملية لهذه المقايضة.
 
فبعد ساعات على اللقاء، أعلن ترامب عبر منصة “تروث سوشال” توجيهه الإدارة الأميركية للسماح لجميع شركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات المباشرة إلى لبنان، مبرراً القرار بأن عون “أنجز عملاً استثنائياً في تحويل بلاده”، ومتمنياً أن تحذو دول أخرى حذو واشنطن.
 
الخطوة تحمل دلالة رمزية تتجاوز الطيران بأكثر من أربعين عاماً؛ فالحظرالمفروض منذ حادثة اختطاف رحلة TWA 847 عام 1985 لطالما شكّل مقياساً غير معلن لمدى ثقة واشنطن بالوضع الأمني اللبناني.
 
وها هو اليوم يُرفَع كأول عربون ملموس على طاولة المقايضة، حتى قبل أن يُحسم أي من الملفات الأصعب: سلاح “الحزب”، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، أو الإفراج المالي المرتقب.
 
لكن الميدان له حسابه الخاص، وهو لا ينتظر التقارير الدبلوماسية.
 
في الشارع اللبناني، وأروقة القوى القريبة من “حزب الله”، يُقرأ أي تحرك أميركي بريبة متوارثة، بالنظر إلى ثبات الانحياز لسياسات تل أبيب.
 
وفي منتصف هذا التجاذب، يقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل على خط بارود دقيق، محاولاً الحفاظ على توازن المؤسسة العسكرية كي لا تُستنزف سياسياً أو تُدفَع إلى صدام داخلي قبل أن تستعيد عافيتها.
 
هذا التوازن نفسه هو ما يمنح الجيش دوره كأداة التنفيذ الفعلية للمقايضة على الأرض: فكل توسيع مرتقب لآليات الرقابة الحدودية، وكل تطبيق أكثر صرامة للقرار 1701، سيُقاس أميركياً كخطوة إضافية في رصيد الثقة نفسه الذي فتحه انتشار زوطر الغربية.
 
على ضفة واشنطن، توحي الرسائل الصادرة بأن الدعم لن يكون مجانياً، بل يرتبط بحدود النفوذ الإيراني وضبط السلاح.
 
وفي السياق نفسه، تلعب القناة الموازية دورها: إذ يُنظر إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري كـ”رجل دولة” قادر على ضبط إيقاع التفاوض من الداخل، بما يكمّل الدور العسكري لهيكل ويمنح واشنطن قناتين متوازيتين للاطمئنان بدل قناة واحدة.
 
هذا الحراك، المقترن بانسحاب إسرائيلي جزئي من بعض النقاط الحدودية، يطرح أول اختبار عملي للتفاهمات المغلقة.
 
وهنا لا تتوقف المسألة عند حدود الجنوب، بل تتقاطع مع مناخات إقليمية أوسع: ترتيبات الحدود السورية، ومناخ التفاهمات الأميركية-الإيرانية غير المعلنة، حيث يُخشى أن يصبح لبنان مجرد ساحة لتسديد الفواتير، أو أن يُكتفى له بحصة متواضعة في خريطة نفوذ جديدة تُعدّ للمنطقة.
 
في الجنوب، بين الركام والبيوت التي لم تُعمَّر بعد، لا ينتظر الناس البلاغات الرسمية، ولا يكترثون بكواليس واشنطن أو بيروت على حد سواء.
 
بالنسبة إليهم، لا يبدأ أي تفاهم سياسي إلا عندما تمرّ ليلة كاملة بلا صوت غارة ولا خبر نزوح.
 
قد تبقى صورة المصافحة في أرشيف البيت الأبيض لسنوات، وقد تصبح الرحلة الجوية الأولى صورة أخرى تُضاف إلى ذلك الأرشيف.
 
لكن الحكم الحقيقي عليها لن يكتبه المصورون ولا شركات الطيران، بل سيكتبه أول موسم يعود فيه مزارعو الزيتون إلى حقولهم بلا خوف، أو لصاروخ يعيد الجميع إلى نقطة الصفر، ليتحدد حينها ما إذا كان لبنان قدنجا فعلاً، أم أنه دفع ثمن “المقايضة الأكبر” من رصيد استقراره المستقبلي.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top