الحويّك طوباويًا: مجدٌ أُعطي ووطنٌ يمتحن


بقلم الياس عيسى الياس

في باحة الديمان، وبين صخور قاديشا، شعرتُ أن التاريخ لم يكن حاضراً في الذاكرة فحسب، بل في الوجوه أيضاً. لم يكن إعلان البطريرك إلياس بطرس الحويّك طوباوياً مجرد احتفال كنسي تُرفع فيه الصلوات؛ كان لحظة مواجهة مع أصل لبنان وفكرته التأسيسية، الحقيقة التي تتوارى اليوم في زحام الأزمات.
 
وأنت تشهد لحظة تلاوة المرسوم البابوي بدوّيه اللاتيني والعربي، يعقبها إزاحة الستارة عن صورة الطوباوي ودخول الذخائر وسط سكونٍ مشدود، تعود بك الذاكرة إلى ذلك الراعي الذي اتخذ من «إلهي رضاك» شعاراً ومساراً.
 
رجلٌ أثبت أن القداسة ليست اعتكافاً في الأديرة ولا هروباً من أوجاع الناس، بل هي شجاعة الموقف لحماية كرامة الإنسان والدفاع عن قيام الوطن.
 
ولد الحويّك في حلتا البترونية سنة 1843، ومضى إلى روما ليعود منها كاهناً سنة 1870. سرعان ما تولى أمانة سر البطريركية، وهناك بدأت تتكوّن شخصية الراعي الذي سيجد نفسه بعد سنوات أمام امتحان مصيري.
 
وحين جلس على الكرسي البطريركي سنة 1899، بدأت واحدة من أشرس معارك الوجود في تاريخ الموارنة ولبنان.
 
وكان قد توّج تعبّده المريمي المبكر بوضع حجر الأساس لمزار سيدة لبنان في حريصا سنة 1904، وتأسيس جمعية «راهبات العائلة المقدسة المارونيات» مع الأم روزالي نصر في عبرين سنة 1895، لتتكامل لديه رعاية الروح وحماية الجسد؛
 
إذ لم يقف متفرجاً إبان مجاعة 1916 المؤلمة، بل فتح خزائن بكركي وأمواله الخاصة لإطعام الجائعين من دون أن يسأل أحداً عن دينه، في عبارته المأثورة التي تناقلتها الأجيال عن لسانه: «أنا بطريرك الموارنة ولي طائفة واحدة هي طائفة لبنان».
 
صمد بوجه العثمانيين ورفض الترهيب، وشرع يبني المؤسسات والمدارس.
 
وعندما انطوت صفحة السلطنة، كان من أبرز الأصوات التي دافعت عن مشروع “لبنان الكبير” وحدوده في مؤتمر الصلح بباريس سنة 1919، وصولاً إلى إعلان الكيان سنة 1920 كوطن للحرية والعيش المشترك.
 
تلك هي فلسفة «التآلف في الاختلاف» التي قام عليها لبنان ورسّخها الحويّك.
 
وهي الفلسفة نفسها التي كانت تظلل قداس التطويب الذي ترأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بحضور ممثل البابا، الكاردينال مارشيلو سيميرارو، والسفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا، إلى جانب حشد من البطاركة والأساقفة.
 
في الصفوف الأولى المخصصة للرئاسة، جلس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعقيلته السيدة نعمت عون.
 
ومن حولهما بدت المقاعد صورة مكثفة للخارطة اللبنانية؛ حيث حضر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وعقيلته السيدة سحر، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل وعقيلته.
 
كما ضم الحضور جمعة الخصوم والأفرقاء من سمير جعجع، وسليمان فرنجية، وجبران باسيل، وممثلين عن المرجعيات الإسلامية كالشيخ علي الخطيب، إضافة إلى عشرات الوزراء والنواب والرؤساء العامين للراهبات والمؤسسات الرهبانية.
 
مشهدٌ يجعلك تتساءل: هل جمعتهم بكركي على فكرة الوطن، أم هي مجرد رسميات تمليها المناسبة دون أن تغير من واقع الانقسام شيئاً؟
 
خارج الكنيسة، وفي باحة الصرح المفتوحة، رأيتُ ما هو أصدق من الخطابات الرسمية.
 
لفتني حديثٌ ودي بين الرئيس نواف سلام والدكتور سمير جعجع مع عقيلتيهما السيدة سحر والنائبة ستريدا، وفي ناحية أخرى رأيتُ حواراً عفوياً بين راهباتٍ وممثل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المفتي الشيخ حسن عبد الله.
 
وفي لحظة انقضاء القداس، ران سكونٌ مفاجئ على الحشود بين صدى التراتيل وحركة الناس المغادرة، وسط همس المترددين ووقفة ذهول أمام وادي قاديشا الذي يفرض صمته على من يراه. في تلك اللحظة بالذات، بدا هذا التواصل التلقائي المساحة الأصدق التي تنطق فيها الروح الإنسانية بما تعجز عنه الخطب والمنابر.
 
غير أن هذا المشهد الميداني التلقائي سرعان ما اصطدم بظلال المشهد السيادي المعقّد؛ إذ طرح غياب رئيس مجلس النواب نبيه بري علامات استفهام في الكواليس، تاركاً، بالنسبة إلى كثيرين، باب التأويل مفتوحاً، خصوصاً في ظل الانقسام المستمر حول هوية الكيان ودور بكركي التاريخي.
 
وهنا يحضر السؤال الأقسى الذي كان يتردد في وجدان الديمان، وتعمّقه نبوءة أشعيا التي اختارها البطريرك الراعي عنواناً لعظته: «مجد لبنان أُعطي له»؛ إذ كيف لوطنٍ أُعطي كل هذا المجد الروحي، وباركت أرضه دماء القديسين والطوبايين، أن يغرق أبناؤه في هذا الكم من الظلم والفقر والانهيار؟
 
الجواب البسيط والصريح: السماء لا تدير الدولة نيابة عنا. القداسة ليست تعويذة سحرية تحل محل القانون والمؤسسات.
 
الحويّك لم يطعم الناس بكرامة غيبية، بل بشجاعة القرار الإنساني والسياسي. مأساتنا ليست في السماء، بل في الأرض؛ في طبقة سياسية تخلت عن أخلاق المؤسسين وحولت الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات.
 
بل إن هذه الصراحة تدفعنا لننظر إلى أنفسنا وإلى الكنيسة ومؤسساتها أيضاً. كيف يستقيم أن نتغنى بروح البطريرك الحويّك الذي أفرغ خزانة بكركي للفقراء، بينما تجد بعض مؤسساتنا التربوية والاستشفائية اليوم صعوبة في مساندة طالب فقير عاجز عن سداد قسطه أو مريض عاجز عن تسديد فاتورته؟
 
التطويب ليس احتفالاً نرفع فيه الأعلام وننصرف، بل هو امتحان أخلاقي لنا جميعاً كي نعود إلى جوهر الخدمة والإنسان.
 
وأنا أغادر الديمان، شعرتُ أن المزارات والذخائر قد تمنحنا الأمل والرجاء، لكنها لن تبني لنا دولة. أما بناء الدولة، فهو مسؤوليتنا نحن على هذه الأرض.
 
الفاتيكان بتطويبه مؤسس لبنان الكبير ينبهنا مجدداً إلى العبارة الخالدة للبابا يوحنا بولس الثاني: «لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة».
 
ويبقى البطريرك إلياس الحويّك شاهداً على أن الأوطان لا تُبنى بالخطب والشعارات، بل بالجرأة والتضحية وحماية كرامة الإنسان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top