خارج عقارب الساعة: ماذا يتبقى منّاحين يغيب الآخر؟

بقلم الياس عيسى الياس
 
نقضي أعمارنا مقتنعين بأن الزمن حقيقة صلبة، يسير من حولنا كالنهر سواء انتبهنا إليه أم انشغلنا عنه.
 
نحسب أيامنا بالشمس والساعات، ونظن أننا نملك الوقت لمجرد أننا نملك تقويماً في هواتفنا.
 
لكن هذا اليقين يتهدم تماماً بمجرد أن تنقطع عنا الإشارات التي تعودنا عليها.
 
في عام 1972، قرر العالم الفرنسي ميشيل سيفر أن يختبر هذا اليقين. توغل على بُعد 134 متراً من مدخل “كهف ميدنايت” المظلم في ولاية تكساس، وعزل نفسه عن العالم لشهور طويلة.
 
لا ساعات، لا ضوء شمس، ولا صوت إنسان. كان يحاول فهم ما يحدث للوعي حين يتجرد من مدخلات الواقع، في تجربة أثارت وقتها اهتمام الباحثين في برامج الفضاء لمعرفة أثر العزلة الممتدة في النفس البشرية.
 
في ذلك الظلام الدامس، تفكك الرابط التلقائي الذي يربط يومنا بالشمس. لم يعد جسد الرجل يعرف متى يستيقظ ومتى ينام، فأصبحت دورات نومه ويقظته تتلخبط بشكل غير متوقع.
 
كان يظن أنه يعيش يوماً عادياً، بينما كان في الحقيقة يعيش أياماً أطول أوأقصر بكثير.
 
أثبت هذا الاضطراب أن الوقت ليس آلة معلقة على جدار العالم، بل هو إحساس داخلي يضيع بمجرد أن ننعزل.
 
لكن اضطراب الوقت لم يكن أقسى ما واجهه سيفر. فحين امتدت العزلة، راح عقله يرهق، وتداهمه الأصوات والخيالات، حتى نسي بعض الكلمات.
 
وفي وسط هذا الفراغ، وجد في فأر صغير رفيقاً محتملاً لعزلته. لكن المفارقة الفاجعة حدثت حين حاول الإمساك به ليتخذه صديقاً؛ فسقط الفخ الثقيل على رأس الحيوان الصغير بالخطأ وقتله.
 
بكى الباحث الفرنسي حينها بكسرة نفس حقيقية. هو لم يبكِ حيواناً، بل بكى على “المرآة الأخيرة” التي قتلها بالخطأ، والتي كانت تؤكد له أنه ما زالموجوداً.
 
في غياب الإنسان، يبدأ العقل باختراع حضور بديل لكي لا يبتلعه الفراغ.
 
وهنا تتوقف تجربة سيفر لتصبح سؤالاً يخصنا جميعاً: من نكون نحن حين يغيب الآخر؟
 
نحن كائنات ناقصة، نعيش في عالم مليء بالتردد والخيبات، وكثيراً ما نتذمر من ما يفرضه التعايش مع الناس من تعب.
 
لكن الحقيقة التي تكشفها العزلة هي أننا لا نستطيع الاستمرار دون “آخر”.
 
قد يكون هذا الآخر حبيباً، أو صديقاً، أو أخاً، أو حتى ذلك الغريب الذي يمرفي حياتنا مروراً عابراً فيبادلنا التحية؛ لكنه يذكرنا بأننا ما زلنا مرئيين.
 
نحن لا نبحث عن كائنات كاملة تسندنا، بل نبحث عن إنسان ناقص مثلنا، نعرف عيوبه جيداً، لكننا نرى في عينيه انعكاس وجودنا، ونرمم معه هذا النقص المتبادل.
 
عندما انتهت التجربة وأخرجوا سيفر من الكهف بعد 205 أيام، كانت الصدمة. كان الرجل يظن أنه أقام هناك فترة أقصر بكثير، وسقطت أسابيع كاملة من حسابه الإدراكي كأنها لم تكن.
 
بالنسبة للعالم الخارجي كانت الأيام تمشي وتُحسب من عمره، أما بالنسبة له، فقد مُحيت تماماً.
 
ربما لم نعد بحاجة إلى كهف تحت الأرض كي نفقد الزمن.. يكفي أن نعيش طويلاً من دون أن يفتقدنا أحد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top