بين نار الجنوب وطاولة روما… هل تفاوض إسرائيل بالقصف؟

بقلم ياسمين شعبان

تزامنًا مع استمرار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في العاصمة الإيطالية روما، برعاية أميركية، صعّدت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني عبر سلسلة غارات وقصف مدفعي استهدفا مناطق في صور والنبطية، في مشهد أعاد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت تل أبيب تستخدم الميدان كورقة ضغط موازية لطاولة التفاوض، أم أن ما يجري يندرج في إطار الردود العسكرية التقليدية.

وفي حديثٍ خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، رأى العميد المتقاعد فادي داوود أن التصعيد الذي شهدته الساحة اللبنانية لا يمكن اعتباره مجرد رد ميداني، بل هو مزيج متعمد بين الضغط العسكري والرسائل السياسية، مؤكدًا أن الوقائع الميدانية تدعم هذا التوصيف.

وأوضح داوود أن الغارات والقصف المدفعي اللذين استهدفا مناطق في صور والنبطية فجر الخميس، تزامنًا مع انعقاد جلسات المفاوضات في روما، لم يكونا محض صدفة، إذ لجأت إسرائيل إلى تبرير عملياتها بالرد على هجوم نُسب إلى حزب الله، إلا أن توقيت التصعيد بالتزامن مع جولة تفاوضية حساسة حمل رسالة سياسية واضحة.

وأكد داوود أن إسرائيل لا تزال ترفض توسيع المناطق التجريبية لتشمل الخيام وبنت جبيل، رغم إصرار الوفد اللبناني على ذلك، لافتًا إلى أن الوفد الأميركي اضطر إلى طلب رفع الجلسة لتفادي انهيار المفاوضات، وتأجيل البحث في آلية التدقيق بالمناطق التجريبية إلى موعد لاحق، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تأثير الضغط الميداني على وتيرة التفاوض، ويؤكد أن واشنطن تدخلت لضبط إيقاع المفاوضات.

وأضاف داوود أن إسرائيل تعتمد مسارين متوازيين في إدارة هذا الملف؛ الأول دبلوماسي على طاولة المفاوضات في روما، والثاني عسكري على الأرض، معتبرًا أن هذا الأسلوب بات نمطًا متكررًا منذ انطلاق عملية “درع الوطن”، حيث يُستخدم التصعيد لتحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى أي التزام نهائي.

وشدد داوود على أن جوهر الخلاف لا يزال قائمًا، إذ طالب لبنان بتمديد وقف إطلاق النار لمدة ثمانية أسابيع ووقف كامل للعمليات العسكرية، إلا أن هذه المطالب لم تتحقق حتى الآن، ما يعزز الاعتقاد بأن التصعيد يشكل أداة ضغط تفاوضية مباشرة، تمنح حزب الله مبررًا للاستمرار في سياسة “حق الرد”، وتربك في الوقت نفسه خطط الجيش اللبناني المتعلقة بالانتشار.

وخلص داوود إلى أن التصعيد يحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى بيروت، ومفادها أن توسيع المناطق التجريبية لن يتم من دون أثمان، والثانية إلى واشنطن، بأن الضغوط الأميركية وحدها لن تكون كافية لفرض جدول زمني على إسرائيل، ما يجعل الأجواء الإيجابية التي أُعلن عنها في روما تبقى هشّة ما دام الميدان يسبق طاولة المفاوضات.

وعن الدور الأميركي، اعتبر داوود أن واشنطن تمارس ضغطًا انتقائيًا أكثر منه شاملًا، إذ نجحت في الحد من توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو المدن اللبنانية الكبرى، لكنها في المقابل قبلت باستمرار العمليات التي تبررها إسرائيل باعتبارات أمنية، ما يعني أنها لا تمنع التصعيد بقدر ما تحدد سقفه وتدير إيقاعه.

وأضاف داوود أن الوساطة الأميركية تبدو فعّالة على المستوى الشكلي، لكنها لا تزال محدودة النتائج. فرغم الزخم الدبلوماسي الذي بدأ بقمة الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، مرورًا بمحطة أنقرة، وصولًا إلى جولة روما، فإن هذه الجولة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على ترجمة الضمانات السياسية التي قدمتها للبنان إلى خطوات عملية على الأرض. وحتى الآن، لا تبدو هناك اختراقات جوهرية، كما أن استمرار المفاوضات على مستوى السفراء لا يمنح مؤشرات قوية إلى إمكانية التوصل إلى اتفاقات كبيرة في المدى القريب.

وأكد داوود أن واشنطن نجحت في دفع إسرائيل إلى قبول الانخراط في اتفاق الإطار، رغم رفضها السابق لأي تفاوض مع لبنان، وهو ما يُعد إنجازًا سياسيًا بحد ذاته، إلا أن الفارق، بحسب رأيه، يكمن بين القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والالتزام بنتائجها، وهو هامش لا تزال إسرائيل تستثمره لمصلحتها.

وختم داوود بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة تؤدي دورًا ضابطًا أكثر منه حاسمًا، فهي تمنع اندلاع مواجهة واسعة أو اجتياح شامل، لكنها لا توقف الاستنزاف اليومي المتمثل بالغارات والخروقات والإنذارات، معتبرًا أن هذا النموذج تكرر في مسارات تفاوضية إقليمية سابقة، حيث يحرص الوسيط الأميركي على حماية العملية التفاوضية من الانهيار، من دون فرض كلفة حقيقية على الطرف الأقوى ميدانيًا، الأمر الذي يسمح لإسرائيل بالاستمرار في استخدام الميدان كورقة ضغط موازية للمفاوضات.

وفي ما يتعلق بارتباط التصعيد بالملف الإيراني، أكد داوود أن ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية، بل يشكل امتدادًا مباشرًا للمواجهة بين إسرائيل وإيران.

وأوضح داوود أن لبنان بات في صلب المعادلة الإقليمية، ليس لأنه الساحة الوحيدة، بل لأنه الأقرب جغرافيًا إلى إسرائيل والأكثر تأثيرًا عسكريًا ضمن منظومة النفوذ الإيراني، ما يجعل أي محاولة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة تمر عمليًا عبر الساحة اللبنانية.

وأضاف داوود أن إسرائيل تسعى أيضًا إلى توجيه رسالة ردع إلى إيران، مفادها أن قدرتها على فتح جبهات متعددة لا تزال قائمة رغم الحرب المباشرة بين الطرفين، لافتًا إلى أن التوتر لم ينتهِ مع توقف الضربات المباشرة، بل شهد تصعيدًا جديدًا تمثل باستهداف منشآت بتروكيماوية داخل إيران، أعقبه رد من الحرس الثوري باتجاه حيفا، إلى جانب التحذيرات الإيرانية من أن استهداف المنشآت النفطية قد يوسع دائرة المواجهة لتشمل أهداف الطاقة في المنطقة.

واعتبر داوود أن الرسالة تمتد أيضًا إلى حزب الله، إذ تهدف إلى منع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية تحت غطاء المفاوضات، وإلى استنزافه ميدانيًا بصورة متواصلة تحول دون استعادة زمام المبادرة أو تحقيق مكاسب استراتيجية لاحقًا.

وختم داوود بالتأكيد أن إسرائيل تستثمر انشغال إيران بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية وتداعيات الحرب الأخيرة، لفرض وقائع جديدة في لبنان قبل أن تستعيد طهران قدرتها على إعادة تفعيل خطوط الدعم لحزب الله، معتبرًا أن نجاح مفاوضات روما لن يُقاس بما يصدر عنها من بيانات، بل بمدى انعكاسها على الميدان، لأن استمرار الخروقات سيبقي أي تفاهمات سياسية عرضة للاهتزاز.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top