
بقلم راما الجراح
أثار مشروع قانون الإعلام الجديد موجة واسعة من الاعتراضات داخل الجسم الإعلامي، بعدما اعتبرت نقابتا الصحافة اللبنانية ومحرري الصحافة أن عدداً من مواده يهدد حرية العمل الصحافي، ويضعف دور النقابتين، ويفتح الباب أمام فوضى تنظيمية في الإعلام الإلكتروني. وبينما تؤكد النقابتان دعمهما لإقرار قانون إعلام حديث يواكب التطورات، تشددان على ضرورة إعادة النظر في البنود الخلافية، بما يضمن حماية المهنة وتنظيمها وصون حقوق الصحافيين، وهو ما حملتاه إلى الكتل النيابية في سلسلة لقاءات لشرح ملاحظاتهما على المشروع.
وقال نائب نقيب محرري الصحافة اللبنانية صلاح تقي الدين، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، إن نقابتي المحررين والصحافة أصدرتا بياناً مشتركاً أبدتا فيه اعتراضهما على عدد من بنود مشروع قانون الإعلام، مشيراً إلى أن النقابتين كانتا من أوائل المطالبين بإقرار قانون جديد يواكب العصر، إلا أن المشروع المطروح يفتقد إلى الرؤية التي يفترض أن يقوم عليها أي قانون ينظم القطاع الإعلامي.
وأوضح تقي الدين أن من أبرز الاعتراضات استخدام عبارة جرائم الإعلام بدلاً من مخالفات النشر، معتبراً أن هذا الأمر يجرّم العمل الصحافي ويعرّض الصحافي للملاحقة الجزائية، خلافاً للهدف المعلن من القانون والمتمثل بحماية حرية الرأي والتعبير.
وأضاف أن إلغاء محكمة المطبوعات وإحالة بعض القضايا إلى القضاء الجزائي يفتح الباب أمام عقوبات قد تصل إلى السجن عشر سنوات في قضايا مرتبطة بخطاب الكراهية، والتحريض على الفتنة، وبث الأخبار الكاذبة، معتبراً أن هذه المفاهيم تبقى فضفاضة وقابلة للاستنساب، وهو أمر لا يمكن القبول به.
وأشار إلى أن مشروع القانون لم يضع ضوابط واضحة لتنظيم المواقع الإلكترونية، سواء لجهة شروط تأسيسها أو الجهة التي تديرها، ما يؤدي إلى حالة من الانفلات، من دون أن يوفر حماية حقيقية للمؤسسات الإعلامية الإلكترونية أو للصحافيين العاملين فيها.
ولفت أيضاً إلى غياب تعريف واضح للصحافي داخل مشروع القانون، وعدم تحديد من هو المدير المسؤول عن المطبوعة أو الموقع الإلكتروني، في حين أن قانون المطبوعات الحالي يشترط أن يكون المدير المسؤول صحافياً مسجلاً على جدول النقابة.
كما اعترض على منح الصحافيين حق إنشاء نقابات جديدة، معتبراً أن ذلك يؤدي إلى “تفريخ نقابات” وإضعاف الجسم الإعلامي والصحافي بدلاً من توحيده.
وأكد تقي الدين أن هذه الأسباب دفعت النقابتين إلى إطلاق جولة على مختلف الكتل النيابية لشرح موقفهما، مشيراً إلى أنهما لمستا تفهماً كبيراً، سواء خلال اللقاء مع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل أو مع أعضاء التكتل الوطني المستقل، إضافة إلى النائب طوني فرنجية.
وختم بالتأكيد أن النقابتين لا تطالبان بإسقاط القانون، بل بإعادة النظر في عدد من مواده وصياغاته، مشيراً إلى أن مشروع القانون بقي قيد الإعداد منذ عام 2014، وبالتالي إذا انتظرنا أكثر من عشر سنوات، فلا مانع من الانتظار شهرين أو ثلاثة إضافية لإعادة صياغته بحضور الجهات المعنية مباشرة، وفي مقدمها نقابتا الصحافة والمحررين.
من جهته، أكد الصحافي وعضو مجلس نقابة الصحافة اللبنانية محمد نمر أن نقابتي الصحافة والمحررين على توافق كامل بشأن الملاحظات المقدمة على مشروع قانون الإعلام، موضحاً أن هذا التنسيق رافق جميع مراحل النقاش، وأن الملاحظات لا تعبر عن موقف النقابتين فقط، بل عن مصلحة الإعلام اللبناني بكل قطاعاته، ولا سيما الإعلام الإلكتروني.
واعتبر نمر أن مشروع القانون بصيغته الحالية “يشرّع للفوضى” في الإعلام الإلكتروني، ويضرب ما تبقى من المهنة، لافتاً إلى أن هذا القطاع يضم مؤسسات إعلامية شرعية تمتلك هيكليات تحريرية وصحافيين مهنيين، وبالتالي لا يجوز فتح الباب أمام أي شخص لادعاء صفة الصحافي أو تحويل الإعلام إلى “دكاكين”.
وشدد على أن النقابتين لن تقبلا بأي قانون يضعف دورهما في تنظيم القطاع، معتبراً أن تطوير قوانين النقابتين كان أولى من إقرار قانون يتضمن ثغرات، ولا سيما في ما يتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، منتقداً حصر تمثيل الصحافيين فيها بإعلامي واحد، ورافضاً أي محاولة لإنشاء نقابات جديدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأضاف أن النقابتين تمثلان نموذجاً للوحدة الوطنية، ويجب الحفاظ عليهما، محذراً من أن إضعافهما قد يفتح الباب أمام نقابات ذات طابع طائفي أو مناطقي.
وأشار إلى أن النقابتين تواصلتا مع مختلف النواب والكتل النيابية، ووضعتا ملاحظاتهما أمام الجهات المعنية، كما لفت إلى أن عدداً من المؤسسات الإعلامية، بينها قناتا MTV و”الجديد”، أعلنت اعتراضها على المشروع، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في إعداد القانون من دون إشراك الجسم الإعلامي بصورة كافية.
وأكد نمر أن المشروع يتضمن بعض الإيجابيات، وأن النقابتين تؤيدان إصدار قانون إعلام حديث وعصري، لكن ليس على حساب دور النقابتين أو حقوق الصحافيين أو حماية المهنة. وختم بالتشديد على ضرورة حماية صفة “الصحافي” والتمييز بينها وبين صانع المحتوى، مع إخضاع إنشاء المواقع الإعلامية الإلكترونية لشروط مهنية واضحة، بدلاً من المعايير الفضفاضة الواردة في المشروع الحالي.
