جمهورية الشك: إيران في مواجهة الفراغ الكبير

بقلم الياس عيسى الياس
 
تضع اللحظات التاريخية الأنظمة ذات المركزية العالية أمام اختبارات لاتتعلق بمدى صلابة أجهزتها، بقدر ما ترتبط بقدرة ناسها ومؤسساتها على التكيف بعد غياب الشخصية المرجعية.
 
المشهد الإيراني اليوم يضعنا أمام تساؤلات جادة حول مرونة البنية التي قامع ليها نظام “ولاية الفقيه” طوال أربعة عقود؛ وهي بنية اعتادت أن تجعل القرارات الاستراتيجية حكراً على رأس الهرم.
 
فالنظام الذي اعتمد تاريخياً على وجود مرشد يملك الكلمة الفصل بين مراكز القوة المتنافسة، يواجه اليوم حالة من الغموض والتزاحم السياسي بعد صدمة اغتيال علي خامنئي في ضربات أميركية-إسرائيلية في 28 شباط/فبراير الماضي، ودخول البلاد في حالة مواجهة عسكرية ومباشرة غير مسبوقة.
 
ورغم أن مجلس خبراء القيادة حسم الملف سريعاً بتعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى في 12 آذار/مارس، إلا أن الاستحواذ على المنصب في لحظة مواجهة شاملة لم ينهِ التدافع المكتوم داخل البيئة الحاكمة.
 
فتكثيف دعوات خطباء الجمعة وممثلي الولي الفقيه للالتزام بالقيادة الجديدة يشي بأن السلطة، وإن حُسمت دستورياً، ما زالت تسعى لتثبيت شرعيتها وتأمين الإجماع التام حولها تحت ضغط الظرف العسكري القاهر.
 
الأزمة هنا لا تكمن في شخص المرشد الجديد، بل في هيكلية بُنيت أساساً على مركزية القرار الفردي، لا على مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة التداول الهادئ أو امتصاص الصدمات الخارجية العنيفة دون إبقاء الشارع في حالة ارتياب.
 
ومع تغير ديناميكية الدور الذي كان يلعبه خامنئي الأب، يُلاحظ حركة أكثر جرأة لمراكز الثقل في ظل حالة الحرب.
 
الحرس الثوري يتحرك لتثبيت موقعه القيادي في إدارة الملفين الأمني والعسكري، بينما يحاول البرلمان حجز مكان في معادلة التوازنات.
 
وفي الوقت الذي تطمح فيه الحكومة إلى فتح منافذ دبلوماسية لتخفيف وطأة الحصار والدفعة الحالية من الضغط المعيشي، تتمسك الأجهزة الأمنية والقضائية بأدوات الردع التقليدية لحفظ الاستقرار الداخلي.
 
ما يلفتني في هذه المرحلة أن الخلاف لم يعد يدور حول الشعار السياسي أو الخيارات الكبرى، بقدر ما يدور حول السؤال السيادي الأول: من يملك حق اتخاذ القرار وإدارة كلفة هذه الحرب؟
 
لكن، لا ينبغي تصوير هذا النزاع وكأنه مواجهة بين إصلاحيين ومحافظين؛ فالواضح أن مؤسسات الحكم ما زالت متفقة على الخطوط العريضة: إحكام القبضة الداخلية، والحفاظ على التوازنات الإقليمية.
 
النزاع الحقيقي يتركز على من يتولى الإدارة، ومن يتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية.
 
في المقابل، يرى مؤيدو النظام أن ما يجري لا يتجاوز اختلافات طبيعية داخل مؤسسات الدولة في أوقات الأزمات، وأن بنية الجمهورية الإسلامية أثبتت قدرتها على ملء الفراغ القيادي سريعاً واحتواء التباينات دون أن يمس ذلك بجوهر نظام ولاية الفقيه.
 
ومع ذلك، لم يبقَ هذا التدافع المكتوم داخل الغرف المغلقة، بل تسرب إلى واجهة الخطاب الإعلامي الرسمي.
 
ظهر ذلك في السجال الذي خاضته حكومة مسعود بزشكيان مع هيئة الإذاعة والتلفزيون إثر اقتطاع أجزاء من تصريحات للرئيس ورئيسي البرلمان والسلطة القضائية.
 
وهذا ليس تفصيلاً عابراً.
 
فقد خرج مسؤولون حكوميون لتشديد النقاش حول جدوى مؤسسات كالمجلس الأعلى للأمن القومي إذا كانت القرارات تُحسم مسبقاً.
 
هذا الطرح يعكس تحولاً لافتاً يزيح التقديم المعتاد لموقع المرشد لصالح نقاش سياسي أكثر صراحة وعلانية.
 
وإذا كان هذا الارتباك يظهر في الإعلام ومؤسسات الحكم، فإن أثره المباشر يرتسم فوراً في تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين؛ حيث تتداخل كلفة المواجهة العسكرية مع الأزمات المعيشية الخانقة.
 
بيانات مركز الإحصاء الإيراني تعكس ضغطاً تورمياً كبيراً ينعكس في ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
 
يضاف إلى ذلك القرار الحكومي الأخير بتخفيض حصة البنزين المدعوم للمرة الثانية هذا العام من 70 إلى 50 لترًا شهرياً (بعد أن كانت 100 لترقبل اندلاع الحرب)، وهو إجراء يترجمه الشارع فوراً كعبء إضافي مباشر على قوته اليومي.
 
في طهران، تتداول الصحف المحلية مشاهد التعثر أمام قسائم التموين الإلكترونية (“كالابرغ”) بسبب تأخر التحويلات الحكومية.
 
تجار الدواجن يشتكون من تأخر السداد، والعائلات تواجه صعوبة في تدبير سلتها اليومية.
 
وإذا كان المواطن يلمس هذا التوتر في السوق ومحطات الوقود، فإن عائلات المعتقلين تلمس وجهاً آخر له خلف الجدران المغلقة؛
 
إذ تفيد تقارير حقوقية بزيادة التدابير الاحترازية ونقل نشطاء إلى الاحتجاز الانفرادي، في سلوك يوحي برغبة الأجهزة الأمنية في إرسال رسائل استباقية لمنع أي شرارة تحرك في الشارع وسط ظروف الحرب.
 
وهنا تكمن المفارقة.
 
ففي ظل هذا التضييق المالي والحصار الشديد، تبرز مجدداً شبكات التجارة الالتفافية والممرات اللوجستية غير الرسمية عبر دول الجوار، والتي أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية التي ينشط من خلالها كبار رجال الأعمال للالتفاف على العقوبات وتأمين الحد الأدنى من السلع الحيوية للأسواق الداخلية.
 
خارجياً، تتعامل دول المنطقة ببراغماتية واضحة مع هذا المشهد؛
 
إذ توازن بين الإبقاء على القنوات التجارية والمدنية مفتوحة — كتسهيل حركةالشحن والرحلات — وبين رفع جاهزيتها الدفاعية، تحسباً لأي مسار قد تتخذه التفاعلات الداخلية والعسكرية في طهران.
 
في المحصلة، لا تبدو إيران أمام انتقال سلس أو مرحلة مكتملة الملامح، بقدر ما تمر في عملية إعادة تشكيل مؤلمة لمراكز النفوذ تحت النار.
 
ربما لا تكمن أهمية ما يجري في هوية الرجل الذي يجلس اليوم في قمة هرم السلطة، بل في أن الهرم نفسه يتعرض لاختبار استقراره الأكثر قسوة.
 
فإذا كانت الجمهورية الإسلامية قد نجحت لعقود في تحويل مركزية القرار إلى مصدر استقرار ودعم إقليمي، فإن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت قادرة على إدارة مرحلة لم تعد فيها تلك المركزية أمراً مسلماً به، وسط مواجهة خارجية مفتوحة وأزمات داخلية متراكمة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top