عندما تصبح الدويلة قاضياً على الدولة:قراءة في خطاب نعيم قاسم

بقلم الياس عيسى الياس

في إطلالته المسائية يوم الجمعة (14 آب 2026)، بمناسبة الذكرى العشرين لحرب تموز 2006، لم يكن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يقدم مجرد كلمة خطابية عابرة في تقلبات الميدان واستحقاقات اللحظة.
 
الاستماع إليه يدفع نحو استحضار تلك المسافة الفاصلة بين بلاغة الخطاب على الشاشات وبين حشرجة الناس تحت الركام.
 
لقد جاء النص ليكشف بوضوح عن استمرار البنية الخطابية نفسها التي تُدار بها علاقة التنظيم بالمؤسسات والشارع؛ إذ لم يكتفِ بإعادة التذكير بأدبيات الثبات، بل أعاد ترتيب مواقع المسؤولية والمساءلة على نحو لافت.
 
تنصّب الحزب في موقع المحاسِب للسلطة الرسمية بلغة تقريع واتهام بالضعف، دون أن يفتح في المقابل أي مساحة لمساءلة الذات عن قرار فتح الجبهة وتكلفتها الباهظة، بما يضع الدولة والمواطن أمام مسؤولية تحمّل الفاتورة، ومعهم ألمنا الفردي والجماعي وكرامتنا التي تجد نفسها بلا حماية.
 
يستند الخطاب إلى آلية تتوسل إضفاء طابع مقدس على المواجهة والابتلاء، وصولاً إلى استحضار ثنائية الحق والباطل والحتميات المرتبطة بها.
 
وفي تجربتنا الإنسانية كأفراد نلمس آثار الدمار، ندرك أن هذا التأطير تؤدي نتيجته السياسية والنفسية إلى تجريد الخسائر المادية والبشرية من أي نقاش عقلاني؛ فعندما يُحوَّل هدم البيت، وتشريد العائلة، وفقدان الأحبّة إلى فعل عقائدي مطلق، يُسلب المواطن حقه في المساءلة، ويصبح أي سؤال نطرحه بيننا وبين أنفسنا حول الجدوى أو التوقيت بمثابة تشكيك أخلاقي.
 
إنها آلية تُغلق باب السؤال قبل أن يُفتح، حيث يُدفع الشارع إلى التعامل مع وجعه بوصفه ثمناً محتوماً، بدلاً من إبقاء السؤال الإنساني والسياسي مشروعاً حول القرار الذي قادنا إلى هذا المصير.
 
أما على صعيد المؤسسات، في برز تحييد الدولة ونفي دورها حين يُحتفى بقرار المواجهة والمبادرات الميدانية المنفردة بوصفهما إنجازاً حزبيّاً، بينما تُترك للسلطة المنهكة مهمة التعامل مع التبعات الاجتماعية والإنسانية.
 
يتصرف الحزب كمرجعية سياسية تتجاوز في موقعها العملي حدود الدولة الوطنية، رافضاً “الوصاية” الخارجية، في وقت يطالب فيه السلطة الرسمية بالتراجع عن خياراتها والتزام الحدود التي يرسمها لها.
 
من هنا، تُدفع المؤسسات إلى الخلف عند اتخاذ قرار الحرب والسلم، بينما يُراد لها أن تقف في المقدمة لتحمل أعباء الدمار والتعويضات وإيواء الناس، في توزيع للأدوار يجعل القرار السياسي خارج المؤسسات، فيما تبقى كلفة نتائجه داخل بيوتنا وأجسادنا.
 
غير أن النقطة الأكثر دلالة وثقلاً في الخطاب، والتي دفعتني إلى تأمل طويل، لا تقف عند حدود تفسير الماضي أو لوم السلطة، بل تتجلى في محاولة إدارة الانفعال الشعبي في المستقبل؛ وتحديداً عندما يطالب الجمهور باختزان غضبه إلى حين تفجّره في الوقت المناسب.
 
هنا لا يكتفي الخطاب بمنع الشارع من صياغة أسئلته الخاصة حول المسؤولية، بل يمنح التنظيم نفسه دور الوصي حتى على مشاعر الناس وحزنهم وغضبهم.
 
وفي الوقت نفسه، يعيد الخطاب تفسير عودة الأهالي إلى الجنوب بوصفها ثمرة لتفاهمات إقليمية (“اتفاق إسلام آباد”)، لا نتيجة مباشرة للاتفاق السياسي الذي تفاوضت عليه الدولة اللبنانية، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي والولاء، وتأجيل الأزمة العميقة بين المواطن المنهك والمرجعية التي تقرر عنه.
 
الدولة لا تستطيع أن تكون مسؤولة عن نتائج قرار لا تملك وحدها حق اتخاذه، ولا يستطيع المجتمع أن يمارس حق المواطنة إذا تحولت التضحيات إلى منطقة محرّمة على السؤال.
 
وهنا لا تعود المسألة مجرد سجال سياسي أو قراءة في حرب مضت، بل تصبح سؤالاً إنسانياً وتأسيسياً عن معنى الدولة وكرامة الفرد: من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يُسأل عندما تأتي الفاتورة ويُطلب من الناس وحده مدفع الثمن؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top