
بقلم: نزار شاكر
الحدث كمرآة للحظة التاريخية
في مساء الاثنين 24 آب 2026، لم يكن مسجد محمد الأمين في وسط بيروت مجرد فضاء للعبادة؛ بل بدا كمرآة انعكس عليها وجه الدولة اللبنانية المأزومة.
بدعوة من المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، امتلأت قاعة الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالحاضرين. استُهلَّ الحفل بتلاوة من القرآن الكريم للقارئ الدكتور الشيخ محمد البيلي، ثم قدَّم الحفلَ عريفُ الاحتفال الدكتور الشيخ مازن قوزي، وتلا أمين فتوى طرابلس الشيخ بلال بارودي السيرة النبوية الشريفة، قبل أن يرتقي المنبرَ مفتي الجمهورية.
وقد حمل الحضور في شكله دلالات سياسية لافتة؛ ففي الصف الأول جلس رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، وخلفه وعلى جانبيه وجوه متعاقبة في السلطة الإجرائية: نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة، تمام سلام، وحسان دياب؛ رؤساء حكومات سابقون اجتمعوا تحت سقف واحد بعد فترات من التباين. وإلى جانبهم وزير الداخلية العميد أحمد الحجار، ونوابٌ، ووزراءُ، ورئيس المحاكم الشرعية السنية الشيخ محمد عساف، ومفتو المناطق، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وقضاة شرع، ومدير عام الأوقاف بالتكليف الشيخ زهير كبي، وحشد من العلماء والإعلاميين.
في لحظة حرب غزة والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وفي غمرة سجال داخلي حول قرار السلم والحرب، بدا الحشد في دلالته السياسية كأنه يسعى لبعث رسالة مفادها أن مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على التجمع. وهنا يمكن قراءة الاحتفال بالمولد النبوي بوصفه حدثاً يتجاوز الطقس البروتوكولي نحو إعادة ترسيم خطوط الدفاع عن فكرة الدولة، وطرح مقاربة جديدة طرحتها دار الفتوى تحت عنوان: “شجاعة السلم”.
قراءة في فلسفة “صلح الحديبية”
لم يكن استشهاد المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان بالتاريخ مجرد تذكير بالمناسبة؛ بل جاء لربط السيرة النبوية بالواقع اللبناني الراهن، عبر استحضار “تجربة ص الصلح” (صلح الحديبية) للدلالة على أن المهادنة ووقف الحرب قد يكونان في لحظات معينة خياراً يتطلب حكمة وشجاعة تفوق خوض المواجهات المفتوحة.
تكمن أهمية هذا الطرح في تحويل مفهوم وقف الاعتداءات والمهادنة من موقع “التراجع” إلى إطار القرار الذي يسعى لحماية المجتمع والدولة ومنع الاستنزاف.
وقد تمثلت هذه المقاربة في قول المفتي: “قرار المهادنة لوقف الاعتداءات شجاع، أمّا قرار الحرب فغير ملائم حالياً للحياة الكريمة لأهلنا وناسنا”، واصفاً مسعى الحكم اللبناني لوقف الاعتداءات الإسرائيلية بـ “الشجاع والحكيم”.
ينتقل السلم وفق هذه القراءة من خيار اضطراري إلى موقف يهدف إلى الحد من الاستقطاب، وقطع الطريق على إقحام المؤسسات في مواجهات لا تملك البلاد تكلفتها البشرية والاقتصادية.
الحدود الدستورية وحماية الموقع
إلى جانب الطرح المفاهيمي، تضمن الخطاب أبعاداً سياسية تمثلت في ثلاث نقاط رئيسية:
دعم السلطة التنفيذية: أعلن المفتي وقوف الدار إلى جانب المؤسسات الرسمية قائلاً: “نحن مع هذا الرئيس وهذا العهد، وهذه الحكومة ورئيسها في مساعيهم لوقف العدوان الصهيوني وتحرير الأرض، وفرض سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية”. وهو موقف يتقاطع مع النقاش الجاري حول حصرية القرار السيادي بيد الدولة.
التأكيد على حماية الرئاسات: اعتبر دريان أن “أي استهداف لرئاسة الحكومة هو استهداف للوطن بكل طوائفه”، مع إبداء الرفض لاستهداف الرئاستين الأولى والثانية، والتشديد على أن “التعاون بين الرئاسات الثلاث يمثل ضمانة لوحدة البلاد”.
التذكير بالإطار القانوني للدار: شهد الخطاب إشارة مفصلية تمثلت في القول: “دار الفتوى مصونة بمرسوم اشتراعي، وأي استهداف لها هو استهداف للوطن”. وبهذا التذكير بالمرسوم الاشتراعي (رقم 18 لعام 1956)، سعى المفتي إلى تأكيد الصفة المؤسسية والقانونية للدار كمرفق عام محصن بالنظام والمؤسسات، وليس مجرد هيئة أهلية خاضعة للتجاذبات.
التموضع الإقليمي ومسارات التوازن
في الشأن الإقليمي، طرح الخطاب مقاربة ترتكز على مسارين:
المسار السوري: ألمح المفتي إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع دمشق بقوله: “نحن مع الجديد في العلاقة بالشقيقة سورية”. وهي صياغة تُقرأ في إطار السعي لتنسيق الملفات المباشرة كاللاجئين والحدود والاقتصاد على قاعدة التوازن المتبادل.
الانفتاح على التوازنات الإقليمية: تجسدت الإشارة الأكثر لفتةً للانتباه في قوله: “نحن مع العلاقات التي تتوثق كل يوم بالمملكة العربية السعودية… وهذا هو معنى التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان”. تعكس هذه العبارات سعي المرجعية الرسمية للتكيّف مع التحولات الجارية في الإقليم، وقراءة التوازنات الجديدة بما يحفظ حضور لبنان ودوره دون الوقوع في العزلة.
وفي الشأن الداخلي، رحب المفتي بقانون العفو العام معرباً عن أمله في توسيعه، مجدداً المطالبة بالعدالة الناجزة في قضية انفجار مرفأ بيروت.
قراءة في أدوار المؤسسة
لم يخرج من قاعة الأمين قرار تنفيذي، لكن المناسبة قدمت ملامح رؤية تتألف من عدة عناصر:
التأكيد على سيادة الدولة وحصرية سلطتها على كامل أراضيها.
حماية الموقع القانوني والمؤسسي لدار الفتوى بموجب التشريعات النافذة.
الانفتاح المتوازن على البيئة العربية والإقليمية.
ترجيح خيار “شجاعة السلم” والمحافظة على الاستقرار الداخلي.
قدمت دار الفتوى نفسها في هذا الحدث بوصفها إحدى المرجعيات المراهنة على خيار الدولة والشرعية في لحظة انقسام حاد؛ ففي ظل الاستقطاب المخيم على المنطقة، اختارت الدار التذكير بأهمية الاحتواء والجمع، تأكيداً على دور المؤسسات الرسمية في صيانة الاستقرار الوطني.
