من «لو كنتُ أعلم» إلى «لاقونا في الميدان»

بقلم الياس عيسى الياس

بين «لو كنتُ أعلم» و«لاقونا في الميدان» مسافة عشرين عاماً تقريباً، لكن العبارتين تكشفان المشكلة نفسها: آلية بناء التقديرات قبل أن تختبرها الوقائع. الأولى قالها السيد حسن نصر الله بعد حرب تموز 2006 معترفاً أن القيادة لو علمت بحجم الحرب المقبلة لما أقدمت على أسر الجنديين. والثانية أطلقها الشيخ نعيم قاسم مؤخراً، متحدياً الميدان بيقين مسبق لم يصمد طويلاً.

والخطورة هنا لا تقف عند حدود إقناع الجمهور، بل تبدأ حين تتحول الرواية التي صاغها التنظيم لجمهوره إلى عدسة يقرأ التنظيم نفسه الواقع من خلالها، فيعيش في إحساس زائف بالأمان لا يعكس الواقع.

أتذكر تصريح السيد حسن نصر الله عقب حرب تموز 2006، حين قال بوضوح في مقابلة متلفزة إن القيادة لو كانت تعلم أن أسر الجنديين سيقود إلى حرب بهذه السعة «لما قامت بها قطعاً». تضمن التصريح اعترافاً صريحاً بالفجوة بين التقديرات المسبقة وبين حجم الحرب وامتدادها وكلفتها.

غير أن الخطاب السياسي للحزب سرعان ما أعاد احتواء دلالة هذا التصريح. فبدلاً من الاستفادة منه كمناسبة لمراجعة آلية اتخاذ القرار وتقييم المخاطر، أُعيد توظيف الجملة لتتحول في الأدبيات إلى دليل على الصراحة وشجاعة تحمل المسؤولية، فتطغى سردية النصر على أي نقاش أوسع حول كلفة القرار.

على مدى سنوات، استمر التصرف على أساس أن قواعد اللعبة ثابتة ولن تتغير، في وقت كان الخصم يطوّر تقنياته ويترصد أدق التفاصيل.

وظهرت عواقب هذا الاسترخاء المعرفي بمرارة في تفجيرات أجهزة البايجر واللاسلكي في أيلول/سبتمبر 2024. جرى تقديم تلك الأجهزة القديمة بوصفها خياراً أمنياً يهدف إلى تقليل الاعتماد على الشبكات الحديثة. لكن هذا الخيار، الذي بدا محكماً من زاوية أمن الاتصالات، تحول إلى ثغرة بالغة الخطورة كشفت هشاشة الافتراضات المتعلقة بأمن سلاسل التوريد.

وما أوجعني وقتها ليس فقط حجم الضربة، بل سعي الأدبيات فوراً نحو امتصاص الصدمة والحديث عن الصمود، دون أن نتوقف بما يكفي من الشجاعة عند ضرورة المكاشفة والاعتراف بوجود ثغرات عميقة في التفكير الأمني.

تسللت حالة الغفلة هذه من المجال الأمني إلى إدارة الخطاب الميداني. فعندما بدأت المواجهات البرية، برزت في خطاب الشيخ نعيم قاسم عبارات التحدي من قبيل «لاقونا في الميدان»، مفترضاً أن التفوق التقني والعسكري للخصم سيذوب بمجرد الالتحام المباشر.

غير أن الوقائع على الأرض روت قصة مختلفة تماماً. فـ«النقاط الفاصلة» التي أُعلنت تباعاً كخطوط لن يتجاوزها العدو، تهاوت واحدة تلو الأخرى أمام أعيننا: من التأكيد على استحالة أي توغل داخل الحدود، إلى التراجع نحو أسوار الخيام باعتبارها الخط الأخير، ثم سقوط هذا الخط أيضاً مع امتداد المعارك إلى بلدة بنت جبيل، وصولاً إلى تلال العباد والعويضة وعلي الطاهر.

كل خط أُعلن حاسماً تحوّل، بمجرد أن تجاوزته الوقائع، إلى مجرد محطة عابرة نحو خط جديد. وهكذا اتضح أن نقطة الحسم كانت تُرحَّل باستمرار مع تحرك الوقائع نفسها، لتفسير الفارق المتسع بين ما يُقال للناس وبين ما يحدث فعلياً.

تجلت هذه المشكلة بأوضح صورها حين استشهد الشيخ نعيم قاسم بنصّ مقتبس من شخصية أُطلق عليها اسم «موشيه يائير»، بزعم نقله عن صحيفة «يديعوت أحرونوت»، قبل أن يتبيّن أن لا أثر موثوقاً لهذه الشخصية أو لهذا المقال في أرشيف الصحيفة.

تتجاوز المسألة هنا مجرد خطأ في التحقق من مصدر، لتطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن لمنظومة تتخذ قرارات مصيرية أن تسمح لمعلومة غير موثقة بأن تمر إلى خطابها القيادي لمجرد أنها تنسجم مع قناعاتها المسبقة؟

لا يعني ذلك أن كل تقدير عسكري خاطئ هو دليل على خلل مؤسسي؛ فالأخطاء تقع في كل الحروب. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تصبح المعلومة المخالفة عبئاً يجب التخلص منه بدل أن تكون سبباً لإعادة النظر في الفرضيات، وحين تحمي المؤسسة روايتها الذاتية على حساب قراءة الواقع.

قد يتساءل المتابع: كيف تستمر قطاعات من الجمهور في منح ثقتها لهذه السردية رغم كل ما نراه؟ الجواب يتصل بطبيعة الثقة السياسية؛ فهي لا تُبنى على الحسابات العقلانية وحدها، بل تتداخل فيها الهوية والذاكرة والخوف والحاجة إلى الأمان الجماعي.

تجعل هذه العاطفة ممارسة النقد الذاتي أكثر صعوبة، لأن الانتقاد يُفسَّر أحياناً كتهديد لوجود الجماعة، مما يدفع الجمهور إلى إعادة تأويل الضربات والتراجعات ضمن سردية الصمود المستمر. غير أن العاطفة، حين تتحول إلى حصانة ضد النقد، تجعل مراجعة الأخطاء وتداركها أكثر صعوبة.

من هنا، يقودنا هذا الانسداد في النقد إلى البناء الوطني العام. والسؤال الذي أطرحه على نفسي وعلى كل لبناني اليوم: هل يستطيع لبنان أن يتحمل تبعات قرارات مصيرية عالية المخاطر تُتخذ خارج إطار القرار السيادي للدولة، فيما لا تملك مؤسساتها القدرة الفعلية على مراجعتها أو تقييم مخاطرها قبل اتخاذها؟

إن بناء منظومة قرار سياسي وأمني قادرة على مراجعة نفسها لا يبدأ بإنكار الجراح أو الهروب إلى الأوهام، بل بالمكاشفة التي تقبل النقد. فالمشكلة ليست في أن يقول المسؤول بعد الكارثة: «لو كنتُ أعلم»، بل في ألا يسأل قبل الكارثة: ماذا لو كنا مخطئين؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top