
بقلم د. نواف كبارة
إذا كان الشرق الأوسط يشهد صراعاً بين مشاريع إسرائيلية وتركية وإيرانية، فإن “اتفاق مكة” للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان قد يشير إلى ولادة شيء مختلف: ليس مشروع هيمنة رابعاً بالضرورة، بل مشروع توازن إقليمي جديد.
تكمن أهمية الاتفاق في أن الدول الثلاث تقدم عناصر قوة متكاملة بصورة لافتة.
تركيا تمتلك جيشاً كبيراً، وهي عضوة في حلف شمال الأطلسي، ولديها صناعة عسكرية وتكنولوجية متنامية وقدرات متقدمة في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.
باكستان قوة عسكرية كبيرة، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، ولديها خبرة عسكرية واستراتيجية طويلة.
أما السعودية فتمتلك القوة الاقتصادية والمالية والطاقة، إضافة إلى موقعها المركزي في العالمين العربي والإسلامي وثقل سياسي متزايد على المستوى الدولي.
وهكذا، فإن الجمع بين القوة المالية السعودية، والقوة العسكرية والصناعية التركية، والقدرة العسكرية والنووية الباكستانية يخلق للمرة الأولى منذ عقود إمكانية قيام مركز قوة إقليمي لا يعتمد بصورة كاملة على المظلة الأميركية.
ولا يعني ذلك أن الدول الثلاث قررت الانفصال عن الولايات المتحدة. تركيا عضو في الناتو، والسعودية وباكستان تحتفظان بعلاقات مهمة مع واشنطن. لكن الجديد هو أن هذه الدول تقول، عملياً، إن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى معتمداً حصراً على ضمانات قوة خارجية.
وهنا يصبح الاتفاق جزءاً من تحول دولي أكبر.
فالنظام الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة، والذي كانت الولايات المتحدة فيه القوة شبه المنفردة القادرة على تحديد قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، بدأ يتحول إلى نظام أكثر تعددية.
الصين موجودة اقتصادياً واستراتيجياً.
روسيا، رغم تراجع بعض نفوذها، ما زالت قوة دولية.
الهند تتحول إلى قوة عالمية متزايدة الأهمية.
وتركيا والسعودية وباكستان لم تعد تريد أن تكون مجرد دول تتحرك داخل نظام يصنعه الآخرون، بل تسعى إلى المشاركة في صياغته.
ليس حلفاً ضد إيران فقط
سيكون من الخطأ قراءة اتفاق مكة باعتباره مجرد تحالف سني في مواجهة إيران.
الدول الثلاث نفسها أكدت أن الاتفاق دفاعي وغير موجه ضد دولة محددة.
والأهم أن مصالحها الاستراتيجية أوسع بكثير من المواجهة مع طهران.
فهي تريد منع عودة الهيمنة الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يؤدي انهيار القوة الإيرانية إلى انتقال المنطقة تلقائياً إلى هيمنة إسرائيلية.
ومن هنا يصبح الاتفاق أداة توازن مزدوج:
احتواء إيران من جهة، ومنع إسرائيل من التحول إلى القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على فرض قواعد النظام من جهة أخرى.
وهذا فارق جوهري.
فإذا كان المشروع الإيراني في العقود السابقة قد حاول بناء محور يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، وإذا كان المشروع الإسرائيلي الحالي يسعى إلى تثبيت تفوق استراتيجي يجعل إسرائيل القوة التي لا يستطيع أحد تحديها، فإن “اتفاق مكة” قد يؤسس لمنطق ثالث:
لا هيمنة إيرانية، ولا هيمنة إسرائيلية، بل توازن إقليمي بين قوى متعددة.
وماذا لو انضمت مصر؟
هنا يصبح الموضوع أكثر أهمية.
الاتفاق مفتوح أمام انضمام دول أخرى، وقد طُرحت مصر بالفعل باعتبارها مرشحاً طبيعياً محتملاً للانضمام.
إذا حدث ذلك، فإن طبيعة التحالف ستتغير جذرياً.
سنكون أمام السعودية ومصر وتركيا وباكستان.
أي أن القوة الاقتصادية الخليجية ستلتقي مع أكبر دولة عربية سكانياً، ومع إحدى أكبر القوى العسكرية في الشرق الأوسط، ومع القوة النووية الإسلامية الوحيدة.
وعندها لن نكون أمام اتفاق دفاعي ثلاثي فحسب، بل أمام نواة محتملة لنظام أمني إقليمي جديد.
وقد يمتد لاحقاً، بأشكال مختلفة، إلى دول عربية وإسلامية أخرى.
من الشركة المساهمة إلى مجلس إدارة جديد
وهنا يمكن العودة إلى الصورة التي طرحتها عام 1998.
قلت يومها إن الشرق الأوسط سيتحول إلى شركة مساهمة، رئيس مجلس إدارتها الولايات المتحدة، وأن الصراع سيكون على من يتولى إدارتها.
ربما علينا اليوم تعديل هذه الصورة.
الشركة ما زالت موجودة، لكن رئيس مجلس الإدارة لم يعد قادراً على اتخاذ القرارات منفرداً.
إسرائيل تريد أن تصبح المدير الإقليمي الأقوى.
تركيا تريد أن تكون شريكاً أساسياً في الإدارة.
إيران تحاول الحفاظ على حصتها التي تتراجع.
أما السعودية، ومعها باكستان وربما مصر ودول أخرى، فقد تكون بدأت تقول شيئاً مختلفاً:
لماذا يجب أن يدير أحد المنطقة منفرداً أصلاً؟
وهنا تكمن الأهمية التاريخية المحتملة لاتفاق مكة.
فإذا تطور من اتفاق دفاع مشترك إلى منظومة سياسية واقتصادية وأمنية أوسع، فقد يكون نواة لنظام إقليمي يقوم على توازن القوى بدلاً من هيمنة قوة واحدة.
من التوازن الإقليمي إلى التوازن الدولي
لكن التحول الأكثر إثارة للاهتمام هو أن هذا التكتل لا يحتاج إلى الانتماء الكامل إلى أي من المعسكرات الدولية الكبرى.
تركيا عضو في الناتو ولكنها تحتفظ بعلاقات مع روسيا والصين.
السعودية شريك تاريخي للولايات المتحدة، لكنها بنت في السنوات الأخيرة علاقات أعمق مع الصين وروسيا وقوى آسيوية أخرى.
وباكستان مرتبطة بعلاقة استراتيجية عميقة مع الصين، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات مهمة مع الولايات المتحدة والغرب.
وهذا يعني أن الدول الثلاث تمتلك مجتمعة شبكة علاقات تمتد بين واشنطن وبكين وموسكو وأوروبا والعالم الإسلامي.
ولذلك قد تكون القيمة الحقيقية لهذا المحور في أنه لا يشكل جزءاً تابعاً من قطب دولي، بل يستطيع التحرك بين الأقطاب.
وهذه ربما هي السمة الأساسية للنظام العالمي القادم:
لن تكون القوة فقط لمن ينتمي إلى أقوى معسكر، بل لمن يستطيع التعامل مع جميع المعسكرات من دون أن يصبح تابعاً لأي منها.
إذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في ذلك، فإن اتفاق مكة قد يتجاوز كثيراً مسألة الدفاع المشترك.
قد يصبح إحدى اللبنات الأولى في بناء توازن إقليمي داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وعندها يكون الشرق الأوسط قد بدأ، للمرة الأولى منذ زمن طويل، الانتقال من كونه ساحة يتنافس عليها الآخرون إلى منطقة تحاول بعض قواها أن تشارك في صناعة قواعد اللعبة الدولية نفسها.
